الدورة الثانية من منتدى النهوض باللغة العربية

الدوحة, 20 يناير 2016

السلام عليكم..

السيدات والسادة..

أرحّبُ بكم بالدوحة وأحيّي منتداكم الثاني وقد مضتْ أربعةُ أعوامٍ على لقائنا في المنتدى الأول، والواقعُ هو نفسُهُ والقضايا. وما برِحتْ اللغةُ العربيّة تتصدّرُ هذه القضايا، وعلى وجهِ الخصوص حيثما تُحِـيلُ اللغةُ إلى الهِويِّة، وكلاهُما تُحِـيلانِ إلى طفولةِ اللسانِ حيثُ تتشكّلُ اللغةُ وتتجلّى الهِويِّة. 

وما دامَ إيمانُنا راسخاً بأنَّ اللغةَ هي جوهرُ الهِويِّةِ وحصنُها الأخير، لابدَّ لهذا الحصنِ من فرسانٍ يذودونَ عنه بسيوفِ اللغة بعد أن ألهمتْهم بيئاتُهم التربويةُ الجوهرَ اللغويَّ للهوِيِّة، فالأطفالَ الذين لا يتأصّلونَ باللسانِ العربي في بيئاتِهم الأسرية سيظهرونَ بهويِّةٍ هَجينةٍ وستغلبُ الرَطانةُ والعُجْمةُ والسطحيّةُ على أدائهم اللغوي ويلجأونَ إلى التعبيرِ عن أنفسِهم بلغةٍ أجنبية.

وعندما نتحدثُ عن الأطفالِ عموماً فهو حديثٌ يذكّرُنا بأنَّ كلَّ شيءٍ يبدأُ من هناك.. من الطفولةِ.. من حيثُ بدأتْ بَداهةُ الحكمةِ في المعرفةِ الإنسانية: في أننا نحصدُ ما نزرع. وأيةُ مقاربةٍ لمشاريعِ تنميةِ الطفل هيَ مقاربةٌ مباشرةٌ لتصوراتِـنا حولَ شكلِ المستقبلِ الذي نَتوقُ إليه طالما آمنَّا بأنَّ الأطفالَ رأسمالٌ في الحاضرِ مهيأٌ للاستثمارِ في المستقبل. وما كنّا لنعقدَ مؤتمراتٍ وندواتٍ، بحثاً عن حلولٍ، لو لم تَستـدعِ المشكلاتُ عقدَها. ودائماً أيضاً، تبدأُ الحلولُ من التشخيص. 

وعلينا الاعترافُ بدءاً بأننا، في الوطنِ العربي، لم نستثمرَ التقدّمَ العلميَّ الهائلَ، تحديداً في مجالاتِ التعليمِ والمعلوماتيةِ والإتصالاتِ والإعلام، في تنميةِ التنشئةِ اللغويةِ وترَكنا أطفالَنا يستخدمونَ لغاتٍ أخرى حتى في مخاطبةِ أولياءِ أمورِهم. وما حدثَ ويحدثُ أننا أخفقنا في احتواءِ المستجدّاتِ وأدّى الاستخدامُ السلبيُّ لتقنياتِ التواصلِ إلى الإضرارِ باللغةِ العربيةِ كثيراً وأدخلَ شبابَنا في رطانةٍ لغويةٍ ألكترونية. وإنَّ لمِنَ المحزنِ أنْ تكونَ عربيّةُ الأطفالِ قبلَ حوالي عدّةِ عقود أفضلَ مِن عربيّـتِهم في الوقتِ الحاضر! 

لماذا حدثَ ذلك؟ وأين هيَ مكامنُ الخلل؟

من هنا تُـقـتَـضى ضرورةُ التشخيص، كما فعلَ ذلك منتداكم الأول. ولا يغيبُ عن أذهانِكم، وأنتم المختصّون، أنّ المشكلةَ تفاقمتْ عبرَ تراكمِ أسبابٍ إشكاليةٍ من بينها: تراجعُ الاهتمامِ الأسري باللغةِ العربية، وضَعفُ مناهجِ وطرائقِ تدريسِ اللغةِ العربية، وانحسارُ اللغةِ العربيةِ الفصحى في البرامجِ التلفزيونية واستبدالُها باللهجاتِ العاميّة، وعزوفُ الأطفالِ عن قراءةِ أدبِ الطفل بسببِ الميلِ نحو الألعابِ الالكترونيةِ ووسائلِ الترفيهِ الحديثة عموماً والتي فشِلنا في إنتاجِها محلياً أو تعريبِها. 

السيّدات والسادة..إنّنا نعايشُ قطيعةً ثقافيةً بين اللغةِ الفصحى واللهجاتِ العاميّة، فقد أمسى التحدّثُ بالعربيةِ الفصحى، ِن قِبلَ العربي، وكأنه حديثٌ بلغةٍ أجنبية، وصرنا نستمعُ حتى إلى أدباء وكتّاب وفنانين يتحدثّون إلى وسائلِ الإعلام بلهجاتِهم. 

وإنَّ مثلَ هذهِ الإشكالية تستدعي نَـظَـراً وعملاً بحثياً وتطبيقياً جاداً لتبسيطِ اللغةِ العربيةِ في المناهجِ المدرسية، مثلاً، وأن يُصارَ إلى إلزامِ البرامجِ التلفزيونيةِ باستخدامِ الفصحى. وإذا ما تمَّ تكريسُ هذا الواقع.. واقعِ تراجعِ اللغةِ العربيةِ عندَ الأطفال، فإنَّ المستقبلَ الذي يمثّـلونَهُ سيشهدُ غربةَ العربية، وستكون الهِويِّةُ في مهبِ الريح، بعد أن تخسرَ حِصنَها اللغوي، فالأممُ تتحصّنُ بلغاتِها قبلَ أيٍّ شيءٍ آخر. والعربيةُ بالنسبةِ إلينا، كما وصفَها العقّاد، هي "الهِويِّةُ الواقية".

وإذا ما اتفقنا على دقّـةِ وسلامةِ التشخيص، فإنّ تحديدَ العلاجِ ليس صعباً طالما توفّرتْ رؤيةٌ للمعالجة. ولكي ننجحَ في التأثيرِ والتغيير نحتاجُ إلى استنهاضِ وحشدِ إرادةٍ عربيةٍ رسميةٍ ونخبويةٍ وشعبوية على مستوياتٍ تشريعيةٍ وتعليميةٍ وثقافيةٍ وإعلامية بغيةَ الشروعِ في الإجراءاتِ الكفيلةِ بحمايةِ اللغةِ العربيةِ والنهوضِ بها.

وبهذهِ المناسبةِ أحيّي جهودَ الشراكةِ بينَ المنظمةِ ومعهدِ قطر لعلومِ الحوسبة في تطويرِ العديدِ من البرامجِ، وخصوصاً برنامجَ تحويلِ الكلامِ المنطوقِ إلى نصٍّ مكتوبٍ وبرنامجَ تحليلِ التغريداتِ العربية، فضلاً عن برنامجِ معالجةِ اللغةِ العربيةِ حاسوبياً، وهي برامجُ طَموحةٌ وواعدةٌ آملُ أنْ تساهمَ في إثراءِ المحتوى العربي على الشبكةِ العنكبوتية ولتعودَ بالفائدةِ على الشبابِ باعتبارِهم الفئةَ الأكثرَ استخداماً للشبكة.

كما نتطلّعُ إلى أنْ تشهدَ السنواتُ القليلةُ المقبلةُ إنجازاتٍ نوعيةً للمنظمةِ على مستوى النهوضِ باللغةِ العربيةِ وحمايتِها من خلالِ مثلِ هذهِ الشراكاتِ المثمرة. وإنَّ لَـفي مقدِّمةِ واجباتِ المنظمة، والعالميةُ من صفاتِها، أنْ توظِّـفَ بعضاً من شراكاتِها لخدمةِ أبناءِ المهاجرينَ العرب في البلدانِ الأجنبية. 

وكانَ التحدي الثقافي الأكبرُ الذي واجهتْـهُ الأسرةُ العربيةُ في الغرب يتمحورُ حولَ الحفاظِ على الهِويِّةِ التي لا يمكنُ أن تتجلّى ألسُـنياً إلا بلغتِها العربية. وبُغيةَ دعمِ الأجيالِ العربيةِ المهاجرة في حمايةِ هويتِها، نتحمّلُ جميعاً الجزءَ الأكبرَ من المسؤوليةِ  بالتعاونِ مع مجالسِ الجالياتِ ووزاراتِ التعليمِ في بلدانِ المهجر. 

إنّ انسجامَ الإنسانِ مع ذاتِهِ ثقافياً ولغوياً وبالتالي هويّاتياً يجعلُهُ سويِّـاً ومنتِجاً، وإذا ما غابَ هذا الإنسجامُ فإنَّ تصدّعاتِ الهِويِّةِ ستنعكسُ سلباً على أنماطِ السلوكِ وتحفّـزُ المَيـلَ نحوَ العنف. وقد يكونُ في تجاهلِ الهِويِّةِ العِرقيةِ والدينيةِ وتهميشِ أصحابِها في بعضِ البلدانِ الغربية ما يُفسِّرُ غضبَ التصدّعات.

السيدات والسادة..

عندما اجتاحَ العالمَ طُوفانُ العولمة لم يكنْ لأحدٍ أو لثقافةٍ أو للغةٍ أن تنأى بنفسِها عن تأثيراتِهِ.. وكان أمامَ مختلفِ الأممِ، ونحنُ منها، واحدٌ من خِيارين: إمّا أن يُعَـوْلِمَنا أصحابُ العولمةِ كما يشاؤون وإمّا أنْ نجدَ سبيلاً للإنسجامِ مع العولمةِ  بهويّتِـنا ولغتِنا.

ولم يكن الأمرُ سهلاً أبداً فأُصيبتْ منظومتُنا الثقافيةُ العربية بخلخَلةٍ كبيرةٍ في بادئ الأمر حتى انتبَهنا إلى أنّ لا مَنجاةَ إلّا باللغةِ العربية باعتبارِها حافظةَ الهِويِّةِ التي تتجلّى فيها ثقافتُنا وتراثُنا وتاريخُنا وآدابُنا. فحقيقةُ المسألة، كما يردّدُ أهلُ النسبيّـةِ اللغوية: "لغتي هي عالمي، وحدودُ لغتي هي حدودُ عالمي"، وإذا ما أرَدنا أن نبقى ونتفاعلَ ونصونَ هويتَنا فلا مناصَ من النهوضِ باللغةِ العربيةِ وتأهيلِها لمواكبةِ المعرفةِ الإنسانيةِ ومفاهيمِها. وقد تكونُ قضيةُ توحيدِ المفاهيمِ واحدةً من أكبرِ الإشكالياتِ المعرفيةِ التي تواجهُ اللغةَ العربية، إذ انتـشرتْ في الأوساطِ الثقافيةِ العربية صيغٌ مختلفةٌ لتعريبِ المفاهيم، ليس مغاربياً ومشرقياً فحَسبْ، بل في كلٍّ من المشرقِ العربي والمغربِ العربي تعدّدتِ الاجتهادات.

 
وما أودُّ إيجازَهُ بكلماتٍ أخرى، أنَّ لكلِّ نهضةٍ خصوصيّـةً، ولكلِّ خصوصيّـةٍ لغةً، وإذا لم تَـرقَ لغتُنا إلى القدرةِ على استيعابِ النهوضِ فإنَّ أيّةَ نهضةٍ، وإنْ حدثتْ، ستكونُ مشوَّهةً وغيرَ أصيلة. وكما النهضةُ في الصينِ تنطقُ بالصينية، والنهضةُ في اليابانِ تنطقُ باليابانية، نواجُهُ تحدياً كبيراً في إنتاجِ نهضةٍ تنطقُ بالعربية. وها نحنُ في زمنِ التشرذمِ والانقساماتِ والاستهدافاتِ لم يتبّـقَ أمامَنا سِـوى اللغةِ العربيةِ لنحتميَ بها، صوناً لهويتِـنا القوميةِ والثقافية ولكي لا نغتربَ في وجودِنا الحضاري، فالعربيةُ هي الصوتُ الذي نحضرُ بحضورِهِ ونغيبُ بغيابِهِ، فما ذَلّتْ لغةُ شعبٍ إلا ذُلَّ، كما قال مصطفى صادق الرافعي.

أتمنى لمنتداكم النجاحَ وديمومةَ العطاءِ لكي تزهوَ لغةُ الضادِ أبداً بضادِها. وصوتُ أحمد شوقي يتصادى بيننا: إنَّ الذي ملأَ اللغاتِ محاسنا جعلَ الجمالَ وسرَّهُ في الضادِ.

 والسلام عليكم.