مؤتمر مؤسسة قطر السنوي للبحوث 2016

الدوحة, 22 مارس 2016

السلام عليكم..
السيدات والسادة..

يستدعي مؤتمرُكم هذا أسئلةً راهنةً: لماذا البحثُ العلمي؟ لماذا اختارتْ قطر منحى الاستثمارِ في البحثِ العلمي والرهانَ عليه؟ وكيف تتناسبُ العلاقةُ بينَ البحثِ العلمي والتنمية؟ وإذ نقفُ أمامَ هذهِ الأسئلة ندركُ معادلةَ انخفاضِ وارتفاعِ معدلاتِ الإنتاجية وأعدادِ القوى العاملة بناءً على مستوى الاستثمارِ في قطاعِ البحوثِ والابتكار.

لا يَخفى عليكم، وأنتم المتخصّصين، أنَّ البحثَ العلميَّ باعتبارِهِ ثروةً متجدّدةً ومستدامةً لا يقلُّ أهميةً عن الثرواتِ الطبيعيةِ ومتكاملٌ معها إن وُجِدتْ. فالثروةُ المتجدّدةُ تطوّرُ نفسَها بنفسِها وتتجدّدُ ظرفياً، وهي مستدامةٌ لأنها تؤثرُ بمجالِها ومحيطِها تأثيراً تنتجُ عنهُ دينامياتٌ تلقائيةٌ للاستدامة. أي أنَّ التقدّمَ العلميَّ، بصفتِهِ ثروةً، يخلقُ توالداً متواصلاً للأفكارِ والقيمِ والمنتجات. ولهذا ينبغي أن تؤسّسَ الثروةُ الطبيعيةُ الآيلةُ إلى النضوبِ لثروةٍ معرفيةٍ لا تنضب. 

لقد أثبتتْ تجاربُ نهضةِ الدولِ في العصرِ الحديث أنَّ التطوّرَ الكبيرَ الذي شهِـدتْهُ البلدانُ المتقدمة بُنيَ على أساسٍ من التعليـمِ النوعيِّ والدعمِ التمويليِّ المُمنهَجِ للبحثِ العلمي. ويندرجُ هذا الطرح في ما يُسمّى "اقتصادياتُ البحثِ العلمي". 

ولأننا نعيشُ في زمنِ تبادلِ الخبراتِ ومحاكاةِ التجاربِ النموذجيةِ في النجاحِ والتميّز يتعيّنُ علينا الاستفادةُ من تجاربِ دولٍ نجحتْ وتفوّقتْ في بناءِ مشاريعَ نهضويةٍ من خلالِ الارتقاءِ بقطاعِ البحثِ العلمي. ولعلَّ كلاً من النرويجِ وسنغافورة مثالانِ جديرانِ بالاحتذاء وعلى تشابهٍ مع مواصفاتِ بلادِنا. 

ففي النرويج ثروةٌ نفطيةٌ تمَّ توظيفُها لتلبيةِ متطلباتِ التنميةِ الشاملة من خلالِ العملِ على مسارين في آنٍ واحد: تطوير الاقتصادِ، وتحديداً قطاع النفط، وتطوير قطاعِ البحوثِ. وهذا ما شرَعنا بهِ في قطر، ونحنُ نملكُ ما تملكُ النرويج من ثرواتٍ طبيعية. 

وفي سنغافورة التي تخلو من الثرواتِ الطبيعيةِ بدأَ الاشتغالُ النهضويُّ على التعليمِ وجذبِ القطاعِ الخاص للاستثمارِ في البحثِ العلمي وإيجادِ بيئةِ أعمالٍ مشجّعةٍ وتعزيزِ البنيةِ التحتية لتصبحَ البلادُ مقصَداً للاستثماراتِ العالمية  وواحدةً من أكثرِ التجاربِ التنمويةِ نجاحاً. وهذا أيضاً ما عملتْ عليه دولةُ قطر 

عندما وضعتْ الاستراتيجياتِ والخططَ والآلياتِ التي تعبّرُ عن وعيٍ منهجيٍّ لشروطِ التقدّم، يقومُ على الدعمِ اللامحدودِ وترجيحِ أولوياتِ البحثِ العلمي والتطويرِ المستدامِ للبِنى العلميةِ والمعرفيةِ والاقتصاديةِ بالتلازمِ مع التنميةِ البشريةِ المستدامة في مراحلِ عبورٍ تنمويةٍ تاريخية من حقبةِ النفطِ والغاز مروراً بحقبةِ البِنيةِ التحتية إلى حقبةِ التنويعِ المستدام. 

وكانَ من خلاصاتِ هذا الوعي أنْ قامتْ مؤسسةُ قطر لتؤدّي دورَها في الحاضرِ بهواجسِ المستقبل استناداً إلى رؤيتِها بأنَّ رفْعَ مستوياتِ البحثِ العلمي هو ارتفاعٌ مباشرٌ بمستوى البلاد: دولةً ومجتمعاً واقتصاداً ومكانةً ودوراً. وأيُّ تمويلٍ في هذا المجالِ سيكونُ خارجَ حساباتِ الخِسارةِ والهَدر لأنهُ يذهبُ مباشرةً إلى موقعِهِ البِـنيوي حيث تُشاد أركانُ رؤيةِ قطرِ الوطنية 2030، انطلاقاً من الإيمانِ بأنَّ اقتصادَ المعرفة لم يعدْ خياراً بل مصيراً. وإنَّ تغيّراتٍ ستحدثُ في بِنيةِ القوى العاملة بعدَ استكمالِ البِنى التحتيةُ بما يقلّصُ الحاجةُ للعِمالةِ ويرفعُها بالنسبةِ للكفاءاتِ والمهارات.

السيدات والسادة..

إنني على إيمانٍ راسخٍ قائمٍ على المعطياتِ الواقعيةِ بأنَّ قطر واحدةٌ من أكثرِ البلدانِ الناميةِ المؤهلةِ للاستثمارِ المُجدي في البحثِ العلمي وفقاً لمتطلباتِ التقدّمِ ومواجهةِ مختلفِ التحدياتِ التنموية. ففي قطر تتوافرُ تقريباً جميعُ عناصرِ التنميةِ الشاملةِ القائمةِ على البحثِ العلميِّ وفي مقدمتِها: الإرادةُ السياسيةُ والتعليمُ النوعي والمواردُ المالية ومراكزُ البحوثِ والتطوير بالإضافةِ إلى شراكاتٍ علميةٍ وأكاديميةٍ عالمية. وقد أرستْ مؤسسةُ قطر خلال السنواتِ العشرِ الماضية أسسَ المنظومةِ الأساسيةِ للبحوثِ في دولةِ قطر،

ولكن ينبغي أن نؤمنَ أيضاً بأنّ مسيرةَ التقدّم، كما حدثَ في جميعِ الدولِ التي سبقتْـنا، تحتاجُ صبراً على قطفِ الثمارِ فهي عمليةٌ طويلةُ الأمد تقتضي نفَسَاً طويلاً وإنضاجاً لظروفِ النجاحِ بخطىً واثقةٍ وأكيدة، وأنْ نُدركَ مسبقاً بأننا قد نفشلُ هنا وهناك ولكننا سننجحُ في النهاية، وهذه هي سِنّةُ العملِ في رحلةِ البحثِ عن النجاح.

ولأنَّ التنميةَ الاقتصادية تؤثّرُ بشكلٍ مباشرٍ في جميعِ مساراتِ التنميةِ الأخرى، يجب أن يحظى الاقتصادُ باهتمامٍ بحثيٍّ واسعٍ ومعمّقٍ من خلالِ البحوثِ التطبيقية. ويمكنُ أنْ يتحقّقَ ذلك من خلالِ تحالفٍ عريضٍ بينَ الجهاتِ المعنيةِ في القطاعينِ العامِ والخاص لكي يتواءمَ قطاعُ البحوثِ مع متطلباتِ التطوّرِ النوعيِّ في القطاعين والاستجابةِ لشروطِ النهضةِ على مختلفِ المستويات. 

وتكشفُ المقارنةُ مع الدولِ الغربيةِ وشرقِ آسيا عن ضآلةِ الإنفاقِ العربي على البحثِ العلمي، وخصوصاً من قِبل القطاعِ الخاص. وهي إشكاليةٌ تقتضي معالجةً جادةًغيرَ قابلةٍ للتأجيل. ومن هذا المنطلق، لا بدَّ من تكاتفِ الجهودِ الوطنيّةِ كلِّها في دعمِ قطاعِ البحثِ العلمي باعتبارِهِ البوابةَ الوحيدةَ والأكيدةَ القادرةَ على ضمانِ بناءِ اقتصادٍ متنوّعٍ ومستدامٍ قائمٍ على المعرفة بما يتيحُ لنا دخولَ رحابِ المستقبلِ آمنينَ لا يقلقُنا نضوبُ الثرواتِ الطبيعية وقد تسلّحنا بثرواتٍ أخرى نفخرُ بابتكارِها لأننا أدركَنا جوهرَ ومعنى وجدوى البحثِ العلمي.

السيدات والسادة..

على مدى عقدينِ من الزمن كنا نعيشُ في الحاضرِ وأعينُنا على المستقبلِ مدرِكين حجمَ تحدياتِهِ، وهي تحدياتٌ واجهناها بوضعِ الدعائمِ الأساسيةِ لبناءِ مجتمعِ المعرفة على أرضيةٍ صلبةٍ من اقتصادِ المعرفة. ولكي نستكمِلَ هذه الرحلة، التي ستواجهُ تحدياتٍ أخرى، يتعيّنُ علينا أن نكونَ مستعدّينَ دائماً للإجاباتِ الوافيةِ على أسئلةِ المستقبل.

أتمنى لمؤتمرِكم التوفيق،،، 

والسلام عليكم.