مركز الشرق الأوسط بجامعة أوكسفورد

أوكسفورد, 26 مايو 2015

إنه لشرفٌ أن أُدعى للحديث أمامكم اليوم، ونحن نشهد افتتاح هذا المبنى الجريء والمغامر، الذي وصفت زُها حديد تصميمه كما لو أنه "جسر معلّق"، بسلسلة من المرتفعات والمنخفضات، ليرمز في كثيرٍ من جوانبه إلى العلاقة بين الشرق الأوسط وأوروبا التي شهدت خلافاتها بدورها ارتفاعاً وانخفاضاً.

ورغم أن هذا الجسر قد يكون معلّقاً، دعونا لا نسمحلآمالنا وحوارناأن يكونا على هذا النحو. ولذلك فإن هذا الجسر الرمزي بين العالم العربي وجامعة أوكسفورد هو على كلُّ حالٍ جسر كبير ممتدٌّ، منذ أن أسس أسقف كانتربري أول كرسي للغة العربية في جامعة أوكسفورد عام 1636. ولعل من المناسب اليوم التساؤل حول ما الذي كان سيفعله ألبرت حوراني حيال أحداث الاضطرابات الراهنة التي تجتاح الشرق الأوسط.

إنكم في جامعة أوكسفورد تفهمون جيداً أهمية الكلمات. فالكلمات هي التي تشكل إطار النقاش، وتفسح المجال للمواقف المتعددة، إلاَّ أنها تضع حدوداً للنقاش، بحيث تصبح هذه الحدود بمثابة "علبة" تحتوي على تحليلنا ونقدنا.

إن أي تشخيص للوضع الراهن والتململ الكوني الذي نعيشه، يُحتم أن تكون الخطوة الأولى هي اختبار الكلمات التي نستخدمها في تشخيصنا. هل يمكننا حقا في عالم اليوم أن نستمر فيالحديث عن الغرب والشرق؟ وهل هما متمايزان جغرافيا أم مجرد حالتين ذهنيتين؟ وهل سيظل الشرق الصورة الأبدية للغرب؟ كما قال جلال الدين الرومي: "أنا لست من الغرب ولا من الشرق".

الأمر نفسه ينطبق على الحديث عن الإسلام. فنحن نسمع يومياً عن المسلمين "المعتدلين" أو "الليبراليين". وغالبا ما أسأل نفسي هل أنا معتدلة أم ليبرالية أم محافظة؟ فكلما حاولت ترجمة هذين المفهومين إلى اللغة العربية لا أجد لهما ترجمة بليغة: هل أنا مسلمة ليبرالية؟ هل أنا مسلمة معتدلة؟ هل أنا مسلمة محافظة؟

وهنا أتساءل عما إذا سبق لكم تعريفي؟ وأتساءل من الذي يبتكر هذه المسميات وتعاريفها؟ ولأية أغراض؟

دعوني أذكر لكم كلمة أخرى أكثر شعبية في الوقت الراهن. إنها كلمة "القروسطي" التي أصبحت تستخدم بكثرة لوصف أفعال المتطرفين. لكن لماذا نَدُسُّ في الأذهان على نحوٍ ما أن أولئك الذين يرتكبون أعمال العنف لا ينتمون إلى عصرنا؟ وأنهم على نحوٍ ما غير "حديثين"؟ إنه رفضٌ ساذجٌ للقبول بمسؤوليتنا المشتركة. فحركة داعش حديثةٌ كسجن غوانتانامو وأبو غريب. كلهم نتاج عصرنا.

إن وسائل الإعلام العالمية، سواء الغربية أو العربية، تدَّعي أن الإسلام لا يؤمن بحرية التعبير، وأنه عالقٌ في أزمنة القرون الوسطى. فكيف للإسلام ألاَّ يؤمن بحرية التعبير وهو دينٌ يقوم على مبادئ كونية وأبدية أحدثت ثورةً في النظام الاجتماعي في عهد الرسول؟

حرية من؟ وتعبير من؟ عندما ندافع عن الحرية، يجب أن ندافع عن حرية كل الأفراد، وعندما ندافع عن حق حرية التعبير، يجب أن ندافع عن حق الجميع في التعبير، حتى وإن كانت الأفكار المعبر عنها لا تتناسب مع مقاسالعلبة. ولماذا يجتمع قادة العالم في مسيرة للدفاع عن شارلي إيبدو، في حين تم تصوير حادثة القتل في تشابل هيل وكأنها خلاف على موقف السيارات؟

وفي الوقت نفسه نُوَاجَهُ بمعايير مزدوجة. ولماذا يا ترى تُقدمُ الإعتذارات عندما يُقتل الأوربيون بالخطأ بالطائرات من دون طيار، في حين يعُمُّ الصمت عندما يُقتل الأبرياء في اليمن والأطفال الباكستانيون والمدنيون بالطائرات نفسها؟

ولماذا تبدو حياة المسلمين أقل أهمية من حياة الأخرين؟ هذا إذا كانت حياتهم مهمة أصلا! إنني أرى أن هذا التجريد من الصفات الإنسانية هو نتاج عملية التخويف من المسلمين، وثمّة فرق بين هذه العملية والإسلاموفوبيا التي سأتحدث عنها لاحقاً. فالتخويف من المسلمين لا يعني بالضرورة الخوف من الإسلام. وفي أوروبا يوجد هناك فضولٌ فكريٌّ حول الإسلام على سبيل المثال، وهو احترامٌ للإرث التاريخي والفلسفي والمعماري العريق والغني. ويتجسد هذا الفضول والاحترام جلياًّ في أعمال المؤسسات التعليمية البارزة كجامعة أوكسفورد.

والمفارقة أن بالموازاة مع هذا الاهتمام بالحضارة الإسلامية نجد هناك خوفاً من المسلمين الأحياء الحقيقيين. فعلى سبيل المثال يُعَرَّفُ المسلم في المقام الأول والأخير كمسلم وليس كإنسان. فحتى لو وُلدوا باكستانيين أو ماليزيين أو سنغاليين أو بريطانيين، فإن هوياتهم المتعددة تُختزل إلى وحدات متراصة من الإسلام. ودعوني أذكركم أن الإسلام لم يكن أبداً وحدات متراصة، بل كان منذ البداية وعاءً كبيراً للممارسات والثقافات المتعددة. إن رسم صورة متجانسة عن المسلمين "كآخرٍ" مخيفٍ ومجهولٍ، معزول عن جمالية ونبل الإسلام وحضارته، هو جذر التخويف من المسلمين. فالإسلام يحيا في قلوب المسلمين المنتمين إلى ثقافات ومجموعات إثنية متعددة تؤثر على ممارساتهم. إن الإسلام لا يوجد فقط في النصوص المقدسة، والآداب، والفن، والفلسفة، والتاريخ. 

لقد تم توظيف الإسلام من قبل جميع الأطراف. فالمقاتلون المتطرفون أوجدوا نوعاً من الإسلام خالياً من مضمونه الروحي ودقَّة تأويله، أي مجرّد شعارٍ سياسي عنيف. والمستشرقون الجدد والليبراليون على حدٍّ سواء يُشوهون سمعة الإسلام، ولاسيما الرسول. وهناك آخرون داخل الدول الإسلامية ينشطون في تكريسالإسلاموفوبيا داخلياً عن طريق غرس الخوف والريبة في كل ما هو إسلامي. إنها قضية ملفتة ومحيّرة في الآن نفسه. 

وقد بات مُسَلَّماً به أن إسلاموفوبيا الداخل هذه قد بُنيَتْ لترسيخ الهيمنة على السلطة، ومع ذلك فهي تُثير قلقاً كبيراً حول الدور الذي ينبغي للإسلام لعبه في الحياة العامة. إنهُ لنقاشٌ صعب ودقيق، لا يمكن حله من خلال محتوى خطاب واحد.

إن الشباب في المنطقة التي أنتمي إليها متحمسٌ لبناء حداثته الخاصة. وهذه الحداثة تشمل الإسلام. فالكثيرون يعتقدون أن المجتمع العادل هو الذي يتجسد في المُثُلِ الإسلامية التي تُوازنُ بين المتطلبات الدنيوية والأخروية للإنسانية.

لقد برز المشكل عندما تم تشويه المثل القرآنية وإساءة استخدامها، وعندما أُخرجِت النماذج من حياة الرسول من سياقها، وعندما تغاضينا عن رسالة الإسلام الأبدية وحاولنا إعادة إنتاج نماذج تاريخية.

لقد شهد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أحداثاً مُلهمةً خلال الأعوام الخمسة المنصرمة. وذُهل العالم لطاقة ورؤية الشباب الذين طالبوا بالتغيير بكل بسالة، حتى أن بعض المعلقين لاحظوا أن على أوروبا أن تتعلّم كثيراً حول الديمقراطية من الشباب العربي. فما برز واستمر في الحراك إنما هو روح المقاومة، روح الإصرار، تلك الروح الإنسانية التي زرعت بذور الحرية بالدرجة الأولى. لكنني أسألكم ما الذي حدث عندما سُحقت هذه البذور تحت الأقدام؟ أو كما تساءل شاعرٌ ذات مرة "ما الذي حدث لحلمٍ مؤجلٍ؟"

إننا نشهد تماما ماذا يحدث لأحلام لم تعد مؤجلةً فقط وإنما مقموعة كذلك. فمثل هذه الأحلام النبيلة لا يمكن سحقها. نعم يمكن تأجيلها. وللأسف يمكن كذلك تشويهها، لكنها يمكن أن تجد مساراً أخر أكثر عدائية للتعبير. وهذا هو الثمن الذي ندفعه اليوم لعدم شجاعتنا عندما يتطلب الأمر ذلك. فإذا كان لكل فعلٍ عاقبته، فإن لكل تقاعسٍ عاقبةٌ أيضاً.

يمكن للناشط أن يتحول إلى تشدد عند غياب إمكانية التحول الديمقراطي. فقد كان الربيع العربي لتغيير القادة الديكتاتوريين الذين رعوا أنظمة الظلم الاستعمارية التي سبقتهم. هكذا أصبح من الصعب جداً إزالة هذه الأنظمة، وهذا ما أثبتته بجلاء الأحداث الأخيرة في المنطقة. ومن الواضح أن الاستعمار قد خلف وراءه ندوباً مادية وسياسية وثقافية وسيكولوجية عميقة، وجراحاً هائلة. نحن بحاجة إلى نقاش وليس إلى قمعٍ عنيف. هل يمكن أن يكون هذا سبباً في كوننا فقدنا كمسلمين الثقة في قدرتنا على تطبيق القيم الإسلامية الكونية والأبدية في تقاليدنا الحية؟

ولنعد مجدداً إلى ما هو أبدي وكوني، حيث يمكن للمفكرين أن يكونوا جسراً "غير معلق"، ويساعدوا على وضع السياسات والممارسات التي تُبرز هذه القيم الكونية والأبدية في مجتمعاتنا المتغيرة. وهنا يتعين على جمهور المفكرين والأكاديميين المبادرة وتحدّي خطابات الإسلاموفوبيا والخوف من المسلمين، وضبط نبرة الجدل. إذ لا يكفي أن نظل حياديين قابعين في حرمنا الجامعي، إلى أن نصبح بطريقة أو أخرى منعزلين وغير منخرطين. فالمؤسسة الأكاديمية ينبغي أن تخدم المجتمع، وليس فقط رصد المجتمع والتعليق عليه.

فإذا ظلت الجامعات والمفكرون غير فعالين فإنهم سيصبحون فائضين عن الحاجة. وراحت الشعوب أكثر فأكثر تستقي معلوماتها حول المسلمين والإسلام من الانترنت. ومع ذلك فإن المعلومات تبقى على رفوف المطبوعات الأكاديمية، ولا تصل إلى عامة المواطنين. إننا في حاجة إلى ربط الدراسة الأكاديمية للإسلام بالجمهور الذي يبحث عن المعلومات. إننا نحتاج إلى النظر في احتياجات الشباب المسلم الذي يبحث في تقاليده عن وسائل لبناء الحداثة الجديدة.

لا ينبغي علينا العودة إلى التاريخ بحثاً فقط عن المجد الذي كان هو الإسلام، وإنما أن نتطلع إلى المستقبل سعياً إلى المجد الذي هو الإسلام. كما ينبغي علينا ألاَّ نستلهم القيم التاريخية وحدها، وإنما نستلهم القيم الأبدية كذلك. فماهي القيم والأخلاق الإسلامية إذاً؟

إننا نُبادر في كلية قطر للدراسات الإسلامية، ولاسيما في مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق، بتطبيق المبادئ والأخلاق الإسلامية في بناء مجتمعات تعددية وعادلة على النحو الذي يتصوره شبابنا. ويتعين علينا كمسلمين أن نكون حاضرين في الخطاب العام، ليس فقط في مجتمعاتنا بل في المجتمع الكوني أيضاً.

إننا في حاجة إلى تِبيان أن الإسلام إرثٌ أخلاقي حيٌّ وغنيٌّ يمكنه تقديم حلول للتحديات الكونية. فنحن نعيش في عالم ذي أنساق دينية وإثنية متعددة، ولدينا في الإسلام الوسائل الكفيلة باحتضان هذا التنوع. فهل كلما أصبحنا أكثر كونيةً أصبحنا في الواقع أكثر تعدديةً؟ يبدو إننا عوضاً عن إيجاد أرضية مشتركة للقيم الكونية، أصبح كل واحد منا يدّعي امتلاك جماعته للحقيقة. وعليه، فإن القيم الكونية هي العلاج لأمراض الحاضر.

فهذا هو جوهر الأديان السماوية جميعها وليس فقط الإسلام. ولذلك نتأثر بجواب غاندي عندما سُئل عمّا إذا كان هندوسياً، فأجاب قائلاً: "نعم أنا هندوسي، وأنا أيضاً مسلمٌ، ومسيحي، وبوذي، ويهودي".

فلا معنى للمبادئ إن لم تتجلى في تحسين حياة البشرية. 

هناك مشاكل عديدة في عالم اليوم إلى درجة أن المرء قد يقع في الإحباط جرَّاء مِحن الإنسانية. غير أننا قادرون على السعي نحو الكمال، بالرغم من أن ذلك قد يبدو في القرن الحادي والعشرين، إلى حد ما، قروسطياً. لكن هناك عبرةً واحدة قد علمتنا إياها الأديان كلها: الكمال يمكن بلوغه، فالقرآن يُخبرنا أنه لا يمكننا بلوغ هذا الكمال إلاَّ إذا غيرنا ما بأنفسنا.

ولنعد إلى سؤال الشاعر لانغستون هيوز "ما الذي حدث لحلم مؤجلٍ؟"

أُجيب:

إنه حلمٌ يرفض أن يموت..

حلمٌ ينمو وينمو..

ويبلغ الكمال..

ليُحوِّل الحالمين إلى فاعلين، وعبر ذلك يُحوِّل العالم.