حدث افتراضي رفيع المستوى لليوم العالمي لحماية التعليم من الاعتداءات

الدوحة، قطر, 09 سبتمبر 2020

قَبْـلَ حوالي عام، كما تعلمون، دَعوتُ إلى تخصيصِ يومٍ عالميٍّ لحمايةِ التعليمِ من الاعتداءات، وعندما استبشرنا خيراً باعتمادِ الأممِ المتحدةِ لهذهِ المناسبة بوصفِها وقفةً سنويةً لمراجعةِ مستوياتِ التقدّم، كنّا نُدرِكُ أنَّ جديّةَ الالتزامِ تتجّلى في مدى الاستجابةِ في مواجهةِ التحديات، وهي تحدياتٌ تكبرُ وتتكاثرُ وتتنوّع.

أقول هذا ولا يفارقُ ذاكرتي مشهدُ أشلاءِ أربعين طفلاً ودماءِ ستةٍ وخمسينَ جريحاً وقد تبعثرتْ حقائبُهم المدرسية وتناثرتْ دفاترُهم مشرِعةً صفَحاتِها بالإدانةِ شاهدةً على جريمةٍ تُرتَكَب عندما قصفتْ طائرةٌ حربيةٌ باصاً مدرسياً في أغسطس من عامِ ألفين وثمانيةَ عشر بمحافظةِ صعدة اليمنية.

وهوَ عملٌ وحشيٌ أفلَتَ من عقابِهِ الجُناة، كما أفلتَ آخرونَ من جرائمَ تكرّرتْ في دولٍ أخرى، حيثُ أبلغتْ بياناتٌ حديثةٌ عن أكثرَ من أحدَ عشرَ ألفَ هجومٍ على التعليمِ في السنواتِ الخمسِ الماضية قُتِلَ أو جُرِحَ خلالَها اثنانِ وعشرونَ ألفاً من الطلبةِ والمعلمين والأكاديميين في أكثرَ من ثلاثٍ وتسعينَ دولةً.

وبينما نعملُ على محوِ الأمية، هناك مَن يعملونَ على نشر الأميّة، وكأنَّ ثَمّةَ هجوماً مُمَنهجاً على كلِّ مَن وما يهدفُ إلى بناءِ الإنسان. ولعلَّها أميّةُ الضمائرِ التي تتنافرُ دائماً مع صحوةِ العقول.

ولأننا جميعاً نعرفُ الداءَ والدواء، يؤسفُني أن أشعُـرَ أنَّ مثَـلَنا كمثَـلِ مَن يصفُ الدواءَ ولا يستطيعُ صرْفَهُ. فمِن الوقائعِ المحبِطة، أنْ نفتتحَ مدارسَ في دولةٍ ما، بينما تُستهدفُ وتُدمَّرُ مدارسُ بنيناها في دولةٍ أخرى. ولأنَّ الهدمَ، بطبيعتِهِ، أسهلُ من البناء، فإنَّ تدميرَ المدارسِ أسرعُ من بنائها، الأمرُ الذي يباطِئُ خَطَواتِنا أو يعيدُنا إلى الوراء.

وقد يرى البعضُ أنَّ من الترفِ الفكري أن ننشغلَ بتوفيرِ التعليمِ إبّانَ الحروبِ. ولكنني أرى في ذلك، بالمقابل، تهميشاً لأولويةِ التعليم ِالتي تشكّلُ خِياراً لا ينافسُهُ خيارٌ بالنسبةِ إلى أمّهاتٍ يعشنَ في مخيماتٍ تفتقرُ إلى أبسطِ شروطِ الحياة، ويُدْركنَ، بالرغمِ من قسوةِ الظروف، أنَّ الأملَ الذي يصنعُهُ التعليم هو السبيلُ الأمثلُ إلى الأمنِ والاستقرار.

ومِن الوقائعِ المحبِطةِ في بؤرِ النزاعات إلى الوقائعِ المحبِطةِ في مكاتبِ صناعةِ القرار، ونحنُ نرى كيف أدّى هذا العددُ الهائلُ من الاعتداءاتِ إلى تكريسِ العَجَزِ الأمميِّ عن ردعِها، حينما بدا المجتمعُ الدوليُّ، وإنْ عن غيرِ قصد، كما لو أنّهُ متواطئٌ مع هذهِ الانتهاكاتِ بسببِ تخاذلِهِ في تقديمِ الجُناةِ إلى العدالة.

والحال هذه، لا بدّ من مغادرةِ هذه المنطقةِ الرمادية باتخاذِ مواقفَ مسؤولةٍ، فلم يعدِ الدعمُ اللفظيُّ الذي نتلقّاهُ مِن المجتمعِ الدولي كافياً في غيابِ إجراءاتٍ عمليّةٍ جادة، وينبغي أنْ لا يظلَّ أصحابُ القرارِ مُختبئينَ في دائرةِ الأقوالِ دونَ أن يقدِموا على الخروجِ إلى فضاءِ الأفعال.

ولكننا بالرغم من كُلِّ ذلك، نتوخّى من أصحابِ الإراداتِ الخيّرةِ في العالم أن يجتمعوا على موقفٍ رادعٍ كي لا يصبحَ العَجَزُ موقفاً رسمياً. لا نريدُ لهذا اليوم أنْ يكونَ مجرّدَ يومٍ احتفاليٍّ على جدولِ الأممِ المتحدة دونَ أنْ يكونَ لحمايةِ التعليمِ تجسيدٌ واقعيٌّ على الأرض يتطابقُ مع مفهومِ الحماية.

ولا أظنُّ أنَّ دولةً أو هيئةً أو شخصيةً ترضى بأنْ يلحقَ بها عارٌ تاريخيٌّ في أنّها صمتتْ أو تواطأتْ أو تساهلتْ حِيالَ القتلِ المتعمّدِ لأطفالٍ يجلسونَ في قاعاتٍ دراسيةٍ ظنّوا أنّها آمنة. ولكي ينفي أصحابُ القرارِ عن أنفسِهم تهمةً محتملةً كهذهِ، ينبغي أن يسارعوا إلى إقراِر آلياتٍ فعّالةٍ  لمساءلةِ مرتكبي هذه الجرائم. إذا ما واظبنا على رصدِ الاعتداءات، سنضعُ حدّاً لإفلاتِهم من عقابٍ سيَـطالُهم عاجلاً أو آجلاً.

إنّ حياةَ وتعليمَ ومستقبلَ هؤلاءِ الأطفالِ مسؤوليةٌ تضعُ المجتمعَ الدولي في اختبارٍ لا يجوزُ الفشلُ فيه، لأنَّ إنسانيتَنا تُختبَرُ في مثلِ هذهِ المواقف.

فلنكنْ معاً لحماية التعليم.