حفل تكريم خريجي مؤسسة قطر دفعتي 2020 و2021

الدوحة، قطر, 27 مايو 2021

كما في الأعوامِ السابقة، أشعرُ بالفخر وأنا أحضرُ تخرّجَ دُفعةٍ جديدةٍ من طلبةِ جامعاتِ المدينةِ التعليمية في ظرفٍ استثنائي. أباركُ لكم نجاحَكم، وبكم وبأمثالِكم تُستدامُ إشراقاتُ الحاضر وتُشاد ركائزُ المستقبل.

أبنائي وبناتي..
في كلِّ ظرفٍ عصيبٍ دروسٌ نتعلّمُ وتتعلمونَ من خلاصاتِها، ونستلهِمُ وتَستلهِمونَ قيماً جديدةً تمكِنُّنا معاً من قراءاتٍ جديدةٍ لواقعِ المتغيراتِ المحتملةِ في العالم.

ولطالما تحدّثنا في مناسباتٍ سابقة عن التأثيرِ العميقِ والمباشرِ لقطاعي الصحّةِ والتعليم بالقطاعاتِ جميعِها، وها هي الجائحةُ تُـثبِتُ حجمَ هذا التأثير، فما أن طالتِ الأزمةُ قطاعَ الصحةِ حتى اجتاحتِ القطاعاتِ الأخرى ولفتتِ الأنظارَ والأذهانَ إلى ضرورةِ مضاعفةِ الاهتمامِ بهذا القطاع.

وكما تحصلُ التغيّراتُ في التوجّهاتِ والميولِ الاجتماعية بشكلٍ عام، شهدتِ العقودُ الأخيرة توجّهاً وظيفياً طاغياً نحو قطاعِ الأعمال في وقتٍ تراجعَ فيه الإقبالُ على العملِ في القطاعِ الصحي وما أدّى إليه من نقصٍ في الكوادرِ الصحية، وتحديداً الوظائفَ التقنية والفنية، الأمرُ الذي يتطلّبُ وضْعَ السياساتِ والميزانيّاتِ الكفيلةِ بتطويرِ قطاعِ الصحة واستدامتِهِ.

وإنّني لأستشرفَ توجّهاً جديداً كبيراً بين الشباب نحو العمل في قطاعِ الصحة بعد أن أبانتْ ظرفيّةُ الجائحةِ للجميع أهميةَ المهنِ الطبيّة وحجمَ تأثيرِها في مساراتِ الحياةِ جميعِها، وهي أهميةٌ تنبعُ من مركزيّةِ الصحة في علاقتِها بكلِّ ما سِـواها، وقد شَهِدنا كيف أُصيبَ العالمُ بشللٍ مفاجئٍ في مواجهةِ الوباءِ بسبب عدم قدرةِ القطاعات الصحيةِ على احتواءِ المفاجأة، وقد تساوتْ جميعُ البلدانِ في الترنّح أمامَ تداعياتِ الجائحة. وحينَها تولّدتْ قناعاتٌ جديدةٌ تعبّرُ عن وعيٍ جديدٍ، رسميٍّ وشعبيٍّ، يُعيدُ للطبِّ مكانتَهُ وريادتَهُ في حمايةِ البشرية.

ولكنّ الحياةَ لا تقوم والعالمَ لا يُبنى باختصاصٍ دونَ آخر، فلا يستقيمُ شيءٌ بدون اختصاصاتِكم كلِّها معاً. وإذ تلاحظونَ تركيزاً على الطب، لا يُحيلُ حديثُنا إلى أفضليةٍ ما وليسَ سوى ما أملتْـهُ علينا جائحةُ كورونا من تغيّراتٍ كبيرةٍ على مختلفِ مستوياتِ الحياةِ والأعمالِ والصحة.

وما عدا ذلك، تبقى قيمةُ المعارفِ في الوجود نفسَها، عِلماً أو أدباً أو فنّاً، ولا أرجحيةَ لمعرفةٍ على أخرى في حساباتِ الأهميةِ والعطاءِ والتميّز.

وبالعودةِ إلى الموضوعِ الذي يشغَـلُ العالم منذُ أكثرَ من عام، أبرزتْ جائحة كوفيد-19 أهميةَ الإنجازاتِ العلميةِ الصحيّة، بحثاً وطبّاً وتمريضاً، وحفّزتْ قطاعَ البحوثِ إلى مزيدٍ من الابتكارِ والاكتشافاتِ. وإذ نحتفلُ بتخرّجِكم اليوم من جامعاتِ المدينةِ التعليمية، لا بدَّ أن نشيرَ إلى نماذجَ من إسهاماتِ مؤسسةِ قطر، بجامعاتِها وباحثيها وطلبتِها، في التصدي للجائحةِ.

فقد طوّرتْ كليةُ وايل كورنيل للطب اختباراً دقيقاً لمَسْحَةِ كوفيد -19 واختباراً آخرَ لرصدِ الأجسامِ ِالمضادة عن طريقِ عيّناتِ الدم واليوريا، فضلاً عن جهودِ الكلية، بأساتذتِها وطلبتِها، في دراسةِ وفحصِ الأجسامِ المضادةِ الواقية لاستخدامِها ضدَّ الفايروس.

كما تطوّع َباحثو وطلبةُ مؤسسةِ قطر، المتخصصون في عِلم الأحياء الجزيئية للعملِ في مختبراتِ مؤسسةِ حمد الطبية لتقديمِ المساعدةِ الفنية في تحليلِ عيناتِ فايروس كوفيد-19.

وطوّر معهدُ قطر لبحوثِ الطبِّ الحيوي مجموعةَ أمصالٍ لاكتشافِ الأجسامِ المضادة لـ كوفيد-19 وذلك في وقتٍ قياسي.

وفي معهدِ قطر لبحوثِ الحوسبة ابتكرَ الخبراءُ نظاماً لتّتبع حركةِ الأشخاص بناءً على بياناتِ الهاتفِ المحمول وتحديدِ جهاتِ الاتصالِ بين المصابين من أجلِ حصْرِ المواقعِ التي ينتشرُ فيها الفايروس في قطر.

وفي سدرة للطب طُوِّرتْ طريقةٌ جديدةٌ لاختبارٍ سريعٍ لـكوفيد-19 في عام 2020، مع المحافظةِ على دقّةٍ بنسبةِ ثمانيةٍ وتسعينَ بالمئة وستقللُ الطريقةُ الجديدة من تكلفةِ الاختبار بحوالي خمسةٍ وسبعينَ بالمئة.

ويشاركُ برنامجُ قطر جينوم في مبادرةِ العواملِ الجينيةِ الحاضنة لفايروس (كوفيد-19)، علماً بأنّ برنامجَ قطر جينوم هو المشاركُ الوحيدُ عربياً في هذه ِالمبادرةِ العالمية.

وبالرغمِ من التقدّمِ العلميِّ المتسارعِ في عالمِ اليوم، إلّا أنّ هناكَ الكثيرَ من الرموزِ الجينيةِ البشريةِ المُغلَقةِ على أسرارِها لا تزالُ تنتظرُ مَن يفكُّ طلاسمَها.

وأنا على قناعةٍ تامّةٍ بأنَّ هناكَ في جيلِكم مَن سيخرجُ ليساهمَ في فكِّ هذهِ الرموز ويعيدُ لهذهِ الأمّةِ نهضتَها العلمية.

تذكّروا دائماً أنَّ الأزماتِ ترحلُ وأنتم الباقون بمعارفِكم وخبراتِكم.