خطاب صاحبة السمو في الجلسة الختامية لمنتدى الدوحة 2025
بسم الله الرحمن الرحيم..
السلام عليكم..
عندما يكون سؤال العدالة موضوعاً للبحث، تنهمر الأسئلة بكثافة حول صدقيّة التداول اللفظيّ للعدالة كاستحقاق
بينما تقوم الشواهد على غيابها في الواقع. فالعدالة في أصلها إيمانٌ، وثقافةٌ، وممارسةٌ تتأصّل في الواقع، والعدالة، تحسّ وترى، ولن يكون الانخراط اللغويّ، الشعاراتي في محرابها بديلاً عنها، بأيّ حال.
تلك وعودٌ غير مؤتمنةٍ وتعهّداتٌ تصاغ ، لكي لا تنفّذ. ويؤخذ على النظام العالمي غياب معايير العدالة بينما تنتشر في الكرة الأرضية مشاهد ظلمٍ لا يخفى، بل هو ظلمٌ مسكوتٌ عنه وبتعبيرٍ أدق ظلمٌ يتمّ تجاهله عن قصد.
ففي زمنٍ تحتدم فيه صراعاتٌ غير مسبوقة وتنهار فيه آليات الحوكمة يصير الإخفاق في مواجهة سؤال العدالة نتيجةً طبيعية، لأنّ لا أحد قادرٌ على تقديم حلولٍ فعّالةٍ لمواجهة التحديات التي تعصف بالمجتمع الإنساني، فالدول الكبرى بدلاً من أن تضمن حماية السلطة الولائية للعدالة لضبط ميزان العلاقات الدولية في مواقع العبث به، وبدلاً من صونها القانون الدولي أداةً أمميّةً لإحقاق العدالة، تنخرط هذه الدول في تكريس مصالحها، وتمرير أجنداتها لبسط هيمنتها، تحت مظلّة نظامٍ عالميٍّ يشهد اضطراباً وتراجعاً مريعاً في معايير العدالة، وهي المعايير التي يفترض أن تحكم العلاقات والحقوق والفرص، حتى باتت العدالة مفهوماً نسبياً يتأثّـر بالظروف والمصالح، عوضاً عن أن تكون قيمةً عالميةً ثابتة.
ولا أظنّ أنّ مفهوم العدالة يحتاج إلى إعادة تعريف لأنّ القضية كلّها متعلّقةٌ بكيفية تطبيق العدالة على أرض الواقع.
وقد شهدنا في بقاعٍ مختلفةٍ من العالم تطبيقاً انتقائياً للحقّ في العدالة، وشهدنا كذلك تغييباً للحقّ في العدالة في مناطق تستصرخ شعوبها العالم لكفّ يد الظالم وإحقاق الحقّ ولكن ما من مغيث. ولا نحتاج إلى شاهد عيانٍ لإثبات وقائع الجرائم التي وثقتها شاشات التلفزة بما فيها من تقتيلٍ وحشيٍّ للمدنيين، من مختلف الأعمار، في غزّة والسودان على سبيل المثال، ومع ذلك فإن صوت العدالة هو الأكثر خفوتاً في ضوضاء العالم. ذلك هو عالمنا اليوم..
الحضور الكريم..
من المهمّ الإشارة في هذا السياق إلى أنّ الحاجة للعدالة هي حاجةٌ إنسانيةٌ شاملة. إنّها الشرط اللازم لشعور الإنسان الضعيف بالحماية في وجه القوي، وهي بالقدر نفسه الشرط اللازم لصحّة العلاقات الدولية فلا تجور دولةٌ بقوّتها على أخرى.
ولكم أن تتخيلوا أيها السيدات والسادة أيّ حيرةٍ فكريةٍ وأخلاقيةٍ يواجهها الشباب الذين تعلّموا في مدارسهم وجامعاتهم
أنّ العدالة شرطٌ لعافية المجتمع الإنساني ثم يرون بعد ذلك واقعاً من حولهم يناقض ما درسوه وتعلّموه. ولهذا فلا عجب إذا امتلأت بهم الشوارع في حواضر العالم للاحتجاج على ممارسات القوة ممّا اعتبروه خذلاناً لكلّ المواثيق التي تمجد للعدالة.
إنّ البشرية اليوم بحاجةٍ إلى إيلاء العدالة والعدل ما يستحقان من الصون والالتزام الصارم. وهي حاجةٌ باتت ضروريةً
بسبب ما توافر للإنسان من أدوات القتل والإفناء الجماعي على نحوٍ لم تعرفه البشرية من قبل، إذ لا شيء يلجم سكرة القوة كما تفعل العدالة ويفعل القانون.
الحضور الكريم
إنّ الواقع الإنسانيّ اليوم يطرح قضيةً مثيرةً حقاً فحواها: لماذا لا يصاحب التقدّم التكنولوجي تقدّمٌ في مجال القيم؟
وبكثيرٍ من التفكّر والتأمل في قضية التقدم سنجد أنّه من طرفٍ خفي أصبح التقدم بأيدي القوى العظمى
أداةً من أدوات سحق الهويّات والخصوصيات الثقافية.
ولذلك يجب أن لا ينسينا زهو التقدم فضيلة العدالة فالقضاء على ثقافة إنسانٍ وعلى هويته إنمّا هو قتلٌ معنويٌّ لا يقلّ عن قتله مادياً. وفي هذا السياق، فمن العدالة احترام الخصوصية الثقافية ومراعاة حساسيتها المفرطة في بحثها عن الحماية في وجه التيارات العارمة للتقدم. فما يقال إنّه تقدّمٌ في محيطٍ ثقافي ما، لا ينظر إليه كذلك من منظورٍ ثقافيٍّ آخر،
وما يصلح هنا، لا يصلح هناك، وما ينبذ هنا يبجّل هناك.
وأنا أعتقد، أنّ التقدم الحقيقيّ يتحقّق جوهره بكونه رديفاً للعدالة وإلّا أصبح تقدّماً عدمياً. ولأنّ التقدم كامنٌ في التعليم
فمن العدالة أيضاً تحقيق الأمن التعليمي لضمان صون اللغة والتقاليد والهوية الثقافية باعتبارها، معاً، مواريث وجدانيةً مبجّلةً وضامنةً لسلامة المجتمعات وأمنها القومي.
كذلك يصبح الأمن التعليمي شرطاً لتحقيق العدالة الاجتماعية، وسيكون إهماله انغماساً في الجهل والتخلف المفضيين الى التبعية.
السيدات والسادة..
دعونا نفحص تجليات مفهوم العدالة لأنه في حقيقة أمره لا يتخلّف عن أيّ ضربٍ من ضروب الفعل الإنساني في هذه الحياة: إن تعزيز التماسك الأسري والاجتماعي: عدالة، والرعاية الصحية وسلامة الطفل: عدالة، وحماية التعليم وتحقيق أمنه: عدالة، وتوفير فرص العمل الكريمة: عدالة، وحقّ الإنسان في التعبير: عدالة. وهذه ركائز مترابطةٌ تتكامل لتشكّل أساساً لعالمٍ أكثر عدلاً.
إنّ تحديات عالمنا اليوم تفرض علينا مقاربةً جسورةً تستعدل ميزان العدالة المائل. فالعدالة بحضورها القوي تعيد للإنسان ثقته بنفسه، وللمهمشين وللذين يعيشون في ظروف صراعٍ أو طوارئٍ إنسانية تعيد لهم إيمانهم بحقهم في الحياة وأنهم ليسوا عبئاً على العالم.
الحضور الكريم..
إنّ أهمية منتدى الدوحة تكمن في اجتماع القادة وصنّاع القرار للنظر مرةً تلو أخرى في التحديات الممسكة بخناق العالم
وأكثرها من صنع الإنسان.
ولذلك فإنّ مقاربة الحلول ربما اقتضت شجاعةً في طرح الأسئلة لاستعادة السلام في عالم آخذ في التوحّش، ولا يكفي طرح الأسئلة لتحقيق الخلاص بل يجب تقديم إجاباتٍ لا مراوغة فيها. وهنا ربما علينا أن نعيد طرح السؤال القديم الجديد: هل الحقّ هو الذي يؤسس القوة: قوة القانون والعدالة؟ أم أنّ القوة هي التي تؤسس حقها وعدلها بالعدوان والظلم؟ من المؤسف أن نرى اليوم واقعاً تحكمه سرديات معبّرة عن مفاهيم القوة لشرعنة ما تعتبره حقاً وعدالة.
وهذا يجعل المعركة اليوم معركةً حول استعادة المعنى للمفاهيم التي أفرغت من دلالتها. حتى أصبح السلام لا يعني السلام،
والأمن لا يعني الأمن، والعدالة، الضحية الكبرى، لا تعني العدالة.
ولذلك تكتسب جهودكم أيّها الحضور الكريم أهميةً كبرى لاهتمامكم بتحقيق العدالة وحماية معاييرها.
آمل أن تجد مخرجات مؤتمركم هذا سبيلها إلى التأثير.. فما أعظم الغاية وما أقلّ النصير وما أكبر الأمل في لحظة وعيٍ تستحضر فيها الإنسانية عدالتها الغائبة.
والسلام عليكم ورحمة الله