صاحبة السمو تلقي الكلمة الافتتاحية لقمة الويب قطر 2026
الضيوف الكرام،
غالباً ما يُسرد تاريخ التكنولوجيا بانتقائيةٍ تُضيء جانباً وتُعتم على جوانب أخرى. نبدأ من الثورة الصناعية الأوروبية، ثم نقفز مباشرةً إلى وادي السيليكون، وكأنما الابتكار محصور في جغرافيا واحدة ولغةٍ واحدة وسلالة واحدة.
بيد أن هذه السردية لم تكتمل بعد،
فكلمة "خوارزمية" نفسها تعود إلى الخوارزمي. كما ترجع أُُسس الأمن السيبراني الحديث إلى الكِندي، الذي فكّ الرسائل المشفّرة عبر اكتشاف الأنماط المتكررة. وقبل قرونٍ من طرح الذكاء الاصطناعي سؤالَه حول ارتباط الوعي بالحواس، كان ابن سينا يخوض جدلاً فلسفياً عميقاً حول استقلالية الإدراك والوعي ذاته.
هذه ليست قراءة للتاريخ بدافع الحنين، أيها السيدات والسادة،
ولا التماساً للاعتراف، ولا عودةً رومانسية إلى الماضي، بل هي إعلانٌ عن الاستمرارية.
لقد كنّا شهوداً على بدايات المعرفة، ونحن هنا اليوم نشارك في رسم ملامح مستقبلها.
فمرحباً بكم في فضاء ابتكارنا، حيث يلتقي التاريخ بالحاضر، لا لنكرّر الماضي، بل لنُعِدّ العُدّة للمستقبل.
السيدات والسادة،
يُعد التنوّعُ اللغوي عاملاً أساسياً في تطوير تقنياتٍ تتوافق مع مختلف الثقافات، كما يظهر من خلال اعتمادنا كلتا اللغتين هنا اليوم. وعليه، فإنني سأنتقل للحديث باللغة العربية.
السيدات والسادة..
لا تُختزَلُ اللغةُ بمفهومِها الأعمقِ كأداةٍ للتواصلِ فحسب، بل تُستحضَرُ بوصفِها مرجعيّةً تُستنبَطُ منها مستوياتُ الرُّشدِ ومعاييرُ العدالةِ والتمكينِ وامتداداتُ المعنى والقيم.
ومن هذا المُنطلق، لا يختلفُ الحالُ كثيراً مع التكنولوجيا في عصرِنا الراهن، إذ باتَتْ هي الأُخرى مَرجِعيَّةً فاعِلَةً تُشكِّلُ إطاراً مُتجدِّداً ومُؤثِّراً على الوَعي وأنماطِ السُّلوك.
إنَّ الوُقوفَ عند مُخرَجاتِ التكنولوجيا لا يَنبَغي أن يكونَ وُقوفَ انبِهارٍ، بل وُقوفَ مُساءلةٍ وتَفكيكٍ، يُعيدُها إلى نِصابِها الصَّحيح، ويَضعُها في مَوقعِها باعتِبارِها وسيلةً لا غاية.
ولَيسَ مِن غاياتِ كَلِمتي هذه أن أُربِكَ عليكم حَماسةَ تَصوُّراتِكم المُستَقبليَّةَ للعالَم، ولا أن أَحُولَ بَينَكم وبَينَ الشَّراكات الذَّكيَّة التي تَجمَعُ بَينَ شَرِكاتِ التِّكنولوجيا الكُبرى ورُؤوسِ الأموالِ الضَّخمة، وإنَّما هي دَعوَةٌ إلى الحَماسِ بوعيٍ ناقدٍ وبَصيرةٍ أخلاقيَّة.
السيداتِ والسادة،
إنَّنا في العالمِ العربيّ نقفُ اليومَ أمامَ لحظةٍ تاريخيّةٍ نادرة لا يكفي فيها امتلاكُ الموارد، بل يُتطلَّبُ فيها بناءُ الثقةِ بين العقولِ والمؤسّسات والثقةُ باللغةِ العربيّةِ وبِطاقاتِها الإبداعية التي تجلّتْ على مدى العصور.
ولكن هذا يجبُ ألّا يَحجُبَ عنا حقيقةَ أن اللغة العربية تخوضُ اليومَ آخرَ معاركِها في جبهةِ التكنولوجيا ومعركتُها هذه ليست على أدوات، بل على المعنى، والهويّة، والقدرةِ على الاستمرار.
فإذا ما هُزِمتِ اللغةُ العربيّة في هذا العصر، لن تكونَ الهزيمةُ لغويّةً فحسب، بل هزيمةً لكلِّ ما تُشكِّلُهُ هذه اللغةُ من هويّة، وما تحملُهُ من ثقافات، وما تختزنُهُ من ذاكرةٍ ووجدانٍ وحضارة. ومن هذا المنطلق، فإن الأمر يقتضي وقفةً جادّةً للتفكّر في شروطِ بقاءِ اللغةِ واستدامةِ حضورِها فما مِن أُمّةٍ تنهضُ من سُباتِها إذا لم تَحشِدْ طاقاتِ نهوضِها، بخطابِها وآفاقِها، بعزيمتِها وإصرارِها وأدواتِها، وتهيئةِ كلِّ ما يجعلُها واقعاً يتغذّى بالإرادةِ الجمعيّة ويُستدامُ بتنميتِه الذاتيّة.
السيدات والسادة..
إن إيمانَنا بأهميةِ صونِ خصوصيةِ اللغة، في ظلِّ التغيراتِ غيرِ المسبوقةِ التي يشهدُها العالم، ينسجمُ مع إيمانِنا بالتعدديّةِ الثقافيّة في قطاعِ التكنولوجيا، إذ إنَّ التكنولوجيا لم تولدْ من رحمِ حضارةٍ معينة لتبقى امتيازاً لها، لا يَقبلُ المشاركةَ فيه، فالحلولُ المنبثقةُ من مختلفِ الاحتياجاتِ المحليّة ومن "الحمضِ النوويِّ الثقافيّ" لتلك المجموعةِ أو غيرها يمكِّنُها، حين تُعزَّزُ بالتكنولوجيا، أن تكتسبَ أهميّةً وتأثيراً عالميّاً، وتتحوّلَ من جهودٍ وطنيّةٍ أو مؤسّسيّةٍ معزولة إلى إبداعٍ مشتركٍ حقيقي عابرٍ للمناطقِ والتخصّصاتِ والقطاعات.
تخيّلوا معي منصّاتٍ يتعاونُ فيها بسلاسة عالِمُ بياناتٍ بالدوحةِ ومبتكرٍ زراعيٍّ في كينيا، مع باحثٍ طبّيٍّ في البرازيل ليس فقط لمواجهةِ تحدّياتٍ مشتركةٍ بل لصناعةِ مستقبلٍ أفضلَ للبشرية وهو ما يتطلّبُ رؤيةً شجاعةً واستثماراً طويلَ الأمد.
السيدات والسادة..
ما ترونَهُ في قطر هو التحوّلُ من النفطِ والغازِ إلى اقتصادٍ قائمٍ على المعرفة. وإنني لأؤمنُ أنّنا أكثرُ جاهزيّةً اليوم من أيِّ وقتٍ مضى لنكونَ روّاداً وصانعينَ في مجالِ التكنولوجيا.. وأعتقدُ أنَّ قطر هي المكانُ الأكثرُ موثوقيّةً لمثلِ هذا النوعِ من الاستثمار، فقد اكتسبتْ قطر ثقةَ العالمِ بعد أن استثمرتْ في التعليمِ والبحثِ العلمي، وأثبتت مصداقيّتَها وحياديّتَها على المستوى الإقليميِّ والدوليّ، بما يُؤهِّلُها للقيادةِ اعتماداً على ما تمتلكُهُ من قدراتٍ بشريّةٍ وماديّةٍ ومنظومةٍ قانونيّةٍ ذات شفافيّةٍ عالية بالإضافةِ إلى ما باتت تُعرَفُ بهِ من معاييرَ أخلاقيّةٍ واضحة.
هذه دعوةٌ للاستثمار في ويب بحثي مبني على شراكاتٍ عالمية، لا لأنسنةِ التكنولوجيا، بل لإنسانيةِ استخداماتِها.
فهذا التَّجمُّعُ العِلميُّ المُقدَّرُ يَحمِلُ ما يُلامِسُ ما بَعدَ عالَمِ الخَيالِ مِن وُعودِ المُستَقبَلِ التِّكنولوجي في مَجالِ بَرمجيّاتِ الذَّكاءِ الاصطِناعي. وهذا ما يَعني مَزيداً مِن تَغَلغُلِ الذَّكاءِ الاصطِناعي في شُؤونِ الحَياةِ كافَّة، ومَزيداً مِن أشكالِ السَّيطرةِ على الصِّحَّة والتَّعليم والصِّناعةِ والأسلِحةِ الفتَّاكةِ فائِقةِ الذَّكاء والسُّرعة.
وبالرَّغمِ مِن أنَّ هذهِ السَّيطرةَ قد تُمارَسُ أحياناً كأداةِ ضَبطٍ وتَنظيمٍ مَحمود، إلَّا أنَّها قد تنحرِفُ بَعيداً عن الضوابطِ القيَمية استجابةً لنوازعِ الهيمنة. أما الخطرُ الأشدُ فداحةً فهو ما حذّر منه علماءٌ بارزون في مجالِ التكنولوجيا
وهي تِلكَ اللَّحظةُ التي قد يَفقِدُ فيها العَقلُ البَشري السَّيطرةَ على مُنتَجاتِهِ الذَّكيَّة، ويَومَها سَيُسجِّلُ التَّاريخُ واقِعةَ أوَّلِ تَمرُّدٍ تِكنولوجي على الإنسان وقد يكون ذلك إيذاناً بِنِهايةِ سَيطرتِهِ سَيِّداً على مَصيرِه.
الحضور الكريم..
باتَ واضحاً أنَّ مُستَهدَفاتِ هذا التحوّلِ المتسارع تمتدُّ إلى المساسِ بالأمانِ الوجوديِّ للإنسان، حيثُ ساحاتُ الصِّراعاتِ لم تَعُد ميدانيَّةً فحسب، وإنَّما أصبحتْ عقلَ الإنسانِ ووِجدانَه، لإرساءِ أنماطٍ من السَيْطَرةِ يَصعُبُ التَّصدِّي لها.
السيِّدات والسادة..
طبيعةُ الأشياءِ تَكمُنُ في حَملِها ِقُطبَيْنِ مُتضادَّيْن، ومِن هنا قد نتساءل، هل فعلاً ثَمَّةَ مَساراتٌ نافعةٌ للذَّكاءِ الاصطناعي؟
ما أَقصِدُهُ على وجهِ الخصوص: هل من الممكنِ أن يكونَ الذَّكاءُ الاصطناعي أداةً للسَّلام؟ إنِ اتَّفقنا على الإجابةِ بـ "نعم"، فعلينا أوَّلاً أن نتَّفقَ على أن نُعيدَ الإنسانَ إلى مَوقعِ القيادةِ الأخلاقيَّة، وأن نُبقيَ التكنولوجيا خاضعةً للقيم، لا خارِجةً عليها.
أن نستخدمَها للإنذارِ المبكرِ، ولحمايةِ المدنيّين، سِواءً كانوا في ساحاتِ الحروب أَم في طرقاتِ المدنِ الآمنة.
فالذكاءُ الاصطناعي لن يصنعَ عالَماً أكثرَ عدلاً من تلقاءِ نفسِه، ولكنَّه إذا حُكِمَ بقيمٍ واضحة، يمكنُ أن يكونَ أداةً لإنصافِ الضعفاء، والكشفِ عن الجرائمِ لا المشاركةِ فيها ثم التعتيمِ عليها. إنَّ الخطرَ الحقيقي، ليس في الذكاءِ الإصطناعي بل في غيابِ الضميرِ الذي يقفُ وراءَه ولذلك، أرجو ألا يكونَ حديثي مُستغرَباً حول بواعثِ القلقِ الناشئِ من خطورةِ الأسئلةِ الجوهرية التي قد نَتحاشاها أو حتى، لم يُتبَصّر بها بعنايةٍ إلى الآن وهي تتفرّعُ من السؤالِ الأساسي:
إلى أين ذاهبٌ بنا الذكاءُ الاصطناعي؟
لا يستطيعُ أحدٌ اليومَ أن يُنكِرَ حالةَ الخوفِ والحيرةِ تجاهَ الذكاءِ الاصطناعي. فالنُّذُرُ والشواهدُ تُشيرُ إلى أنَّ ثمّةَ عمليّةً هادفةً إلى خلقِ كائنٍ بشريٍّ مُستباحِ الخصوصيّة، وسيبقى السؤالُ مفتوحاً عمّا ستحملُهُ لنا التكنولوجيا في سنواتٍ مقبلة هل سيُجاوِرُنا في هذه القاعةِ يوماً ما مندوبونَ إلكترونيّون؟
هل سيتقدَّمُ إلى المنصّةِ مشاركٌ مُهجَّنٌ، مُدّجنٌ إلكترونياً عقلاً وجسداً؟ أظنُّ أن الآفاقَ مفتوحةٌ على الاحتمالاتِ كلِّها، ولا غرابة!
ومَن يدري؟
لعلّ خطابي المباشرَ معكم اليوم، يُقابَلُ، أو بالأحرى يُستبدلُ غداً بخطابٍ يكونُ فيه كلُّ شيءٍ حاضراً إلا الإنسان.