الدوحة، قطر، 03 نوفمبر 2008

بسم الله الرحمن الرحيم

حضرات السيدات والسادة،،

أودُّ في ختام أعمال هذا المنتدى، أن أثني على جهودِ جميع الفاعلين، بشتّى أطيافِهم، الذين بفضل إيمانهم العميق، بمقاصده وغاياته، جعلُوا منه، وعلى مدى يومين، فضاءً رحباً للحوارِ البناء، الحر والمسؤول.

لقد حبا الله سبحانه خليجنا ووطنا العربي بمزايا استراتيجيةٍ وماديةٍ عديدة، كما حباهم أكثر، بثروة بشرية هي ذخرنا الحقيقي، الذي علينا جميعاً مسؤولية بل واجب رعايته والحفاظُ عليه، وذلك للاستفادةِ المثلى من طاقاته وقدراته، سبيلُنا إلى تحقيق أهدافنا المشروعة نحو تنمية إنسانية مستدامة.

فلا يعقل أبداً وبلادنا العربيةُ تمضي في خطط طموحة لتحديث التعليم والبحث العلمّي أن يترك الحبلُ على غاربه لبعض القنوات الفضائية لتهدم ما يبنيه غيرها.

فتحصينُ ووقايةُ ناشئتنا وشبابنا من تأثير البرامج والمواد المخلة بالحياء، المنافية للآداب والأخلاق العامة التي تبثها بعضُ القنوات الفضائية، هو قبلَ أن يكون مطلباً إعلامياً، أعتبره أولاً وقبل كل شيء واجباً وطنياً ورهاناً يهم كافة أفراد المجتمع.

 

حضرات السيدات والسادة،،،

أن أيّ مشروعٍ إصلاحي طموحٍ يهدفُ إلى بناءِ أجيالٍ شابة وواعيةٍ يقومُ على دعامتين أساسيتين هما المؤسسة الأسرية والمؤسسة التعليمية، غير أنّ الأسرة والتعليم وحدهما، وفي ظل ثورة التكنولوجيا والمعلومات التي نعيشها، لا يمكن أن ينجَحا بغير مساعدة الإعلام.

وإذا كنا نشجع الإعلام الجاد الحريصَ على المشاركة في التوعية والتنمية، وندعم رسالته المكملة لدور الأسرة ومؤسسات التعليم، فإننا يجبُ ألا نترك بعض القنوات الفضائية الهدامة معولاً يحطمُ الركائزَ الأخلاقية والاجتماعية الراسخة لمجتمعاتنا، أو يعرقل طموحاتها العلمية والتعليمية المشروعة.

فكيف تغرسُ مؤسساتُ التعليم الوعي العلمي وتتركُ مثل تلك القنوات لتمارس فنون التخدير فتغيب عقل الشباب وتجعله يبدو غريباً عن مجتمعه بعيداً عن أصوله وجذوره.

إننا نفتخرُ بجذورنا الحضارية، نعتزّ بقيمنا ومثلنا لأنها رمز هويتنا. كما أننا وبنفس القدر والإصرار، حريصونَ على النهل من معين طفرة العصر العلمية والتكنولوجية، منفتحون من خلال كافة وسائل ووسائط الإعلام البناءة على ثفافات الغير وحضاراته، نؤثر ونتأثر دون أدنى مركّب نقص أو تردد.

إنّ الإعلام المسئول أيها السيداتُ والسادة، هو الذي يقدمُ القدوة الحسنة التي يجبُ أن يحتذى بها، والنماذج المشرفة التي ينبغي محاكاتُها، وليس تلك الصور الماسخة التي تتسللُ إلى مخيلة شباب منطقتنا من خلال تلك القنواتِ التي تستغلُّ الفراغ الذي يعيشونه فتملأه ببرامج دخيلةٍ لا تمت لنسيجنا الحضاري بصلة، ومواد إعلامية مستوردة، مموخةٍ، محملة بقيم غير قيمنا، وعاداتٍ غير عاداتنا وأخلاق غير أخلاقنا، تقلدُ تقليداً أعمى دون حساب التبعاتِ الخطيرة المترتبة على ذلك.

أن المحاكاة ليست خطأ لو كانت لقدوةٍ يُعتد بها، والتقليدُ ليس مذموماً لو كان لعادةٍ حميدةٍ أو سلوكٍ رشيدٍ.

فالاقتداء أخذ من الحكمة التي حثنا عليها ديننا الحنيفُ، وهو مطلوب طالما، اعتبرناه وسيلة لتمكين الأمة وتأسيس مستقبل أفضل ينقلها من خلف الصفوف إلى طليعةِ المؤثرين والفاعلين في محيطها الإقليمي والدولي.

السيدات والسادة،،

إنّ من مصلحة منطقتنا الإسراع بالقضاء على حالة الأمية الإعلامية السائدة، وهي لا تقل خطورة بحالٍ من الأحوال عن الأمية التعليمية. فبسبب هذه الأمية الإعلامية، لم يعد المشاهدُ يعرف كيف يميز بين الغث والسمين، أو يختارُ ما تجبُ مشاهدته وما يتوجب الابتعادُ عنه.

أنها أمية مركبة، أمية من يقدم الإعلام غير المسؤول، وأمية من يستقبله.

ومن هذه التظاهرة الإعلامية أدعو إلى تضافر الجهود العربية لمحو الأمية الإعلامية من خلال المدارس وورش العمل التدريبية، خصوصاً وأنكم تعلمون أن الإعلام اليوم تجاوز البث التلفزيوني الرسمي والفضائي إلى المسارات الإلكترونية بسرعتها التقنية المذهلة، ما أحدث فجوةً تكنولوجيةً وإعلامية كبيرةً بين جيلين تستدعي تجسيرها.

لكنني أستبشر خيراً، أولاً بالمقاربة الشمولية التي عالجتم بها مختلف جوانب إشكالية المنتدى القانونية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية، بحيث راكمنا بفضل ذلك، خبرة علمية وعملية يمكن الاستناد إليها سواء من لدن صناع القرار أو عند صياغة وبلورة منهجية عملنا.

وإني لأتطلع أن تجد كافةُ التوصيات التي خرجتم بها طريقها إلى التطبيق، وأني أيضاً لعلى يقين بأن أيادٍ كثيرة في بلادنا ومجتمعاتنا العربية ستمتدُّ إليكُم ، وتتعاونُ معكم، لأن القضية التي تتصدون لها جدُّ خطيرةٌ، لا يمكنُ أن نقف ساكنين أمامها لأننا جميعاً على بينةٍ بأنّ الإعلامَ بات مسئولاً مسؤوليةُ مباشرةُ شأنه شأنُ الأسرِة والمدرسة عن بناء القيم وتعزيزها.

نعم،،

إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت             فإن همو ذهبَت أخلاقُهم ذهبُوا

والسلام عليكُم ورحمةُ الله وبركاته،،