الدوحة، قطر، 08 يناير 2009

أبنائي الطلبة ..

في مثل هذه الظروف لا فائدة ترجى من القاء الخطابات الحماسية ...

ولا إلى ردود انفعالية ....

أنتم كباقي شباب الأمة العربية ، أكدتم بأنكم أكثر نضجاً من الكبار وربما أوضح رؤية منهم .. لأن لكم هدفاً يعكس تشبثكم بقيمكم وإنسانيتكم ..

كنت كباقي العالم أؤمن بأننا في زمن أصبح فيه احترام سيادة القانون والشرعية والالتزام بقواعده شيئاً مكتسباً بل بديهياً . .

أحداث غزة الأخيرة "صراحةً" أزاحت غشاوةً كبيرةً عن عيون كثيرٍ منا . .

كنت أؤمن بأن المدرسة كالمسجد، كالكنيسة، كالكنِيس .. أماكن مقدّسة لا يمكن أن يطالها العبث ولا الاستخفاف لما تمثِّلُه من قيمة لا سبيل إلى التشكيك فيها ..  

فُوجِئتُ بل صُدِمتُ باستِهداف الفاخورة وعلمِ الأمم المتحدة يُرفرِف عليها ، وهي تمثّل ملاذاً آمنا لرضعٍ وأطفالٍ ونساءٍ وشيوخ وذوي احتياجاتٍ خاصّة ..

استُشهِد في الفاخورة أربعون شهيداً ، ماذا كانَ ذنبُهم سوى الاحتماءِ برمزٍ كانوا يعتقدون مثلي في قُدسيّتِه .. وقُدسيَّة المُنظّمةِ التي تحمِيه ..  

الآن بعد الفاخورة نحن في موقف عبثِي ، هل تعلَمون أنّ الأكفان أمام ارتفاعِ عدد الشهُداء قد شحّت بل ندُرت .. هل بَعد هذا لا يجوز لنا أن نتحدث عن إبادةٍ جماعية غير مسبوقة ..

ماذا بعد ما يحدث في غزة قد بقي لنا من قول ورسائل لأحفادنا وليس لأبنائِنا لأنهم يعايشون مثلنا الحدث . .

هل يجوز لنا الان أن نتحدث عن القانون الدولي الانساني وعن اتفاقيات جنيف لحماية المدنيين وكافة بروتوكولاتها ..

أعتقد بأن أبناءنا وأحفادنا سيستخفون منا .. وسيستهزؤن منا ومن سذاجتنا ...

الموقف الذي نحن فيه ليس موقف فصاحة ولا خطابة .. إنه موقف يقتضي الجرأة ويقتضي المواقف العملية . . 
كما يقتضي وهذا الاهم أن يصطَفّ كلُّ أخيارِ هذا العالم .. لا ليندّدُوا فقط بما حدث ويحدث في غزة ! بل ليقدِّموا البدائل البناءة ..

لا نريدُ أن تتكرّرَ مأساة غزّة ، ولذلك سأحرص مع كل القوى الحيّة في هذا العالم لإيجاد آلية تحمي النظم التعليمية ..
وأنا هنا سأركز على التعليم لأنني أؤمن بأنه السبيل الأقوى إلى السلام.

يجب أن نمنعَ استهدافَ المدارسِ والجامعات ، نمنع ذلك بسلطة القانون ، ونمنع ذلك باستحداث أو على الاقل بتفعيل ما هو قائم من تشريعات يجب ألا تفصَّل حسب الهوية وإنما تطالُ الجميع ..
ألسنا نحن كما يقال لنا في عصرِ أو في زمنِ العدلِ والمساواة في الحقوق، فنريد هذه القوانين أن تطال كل من يعبث بمقدّساتِ الإنسان ...

أيضاً يجب أن يتحمّل الجميع مسؤوليته في إعادة الأمل إلى غزة، إعادة بناء مدارسِها ومساجِدها ومستشفياتِها وجامعاتِها ، وأن نحرص فعلاً لتكونَ هذه المنشآتِ حرماً آمناً..

وحتى نحترمَ أرواحَ من استشهد نتيجة هذا العبَث ستكون "الفاخورة" رمزاً لهذه المبادرة وتكونُ الفاخورة البعدَ الإنساني والقانوني ننطلقُ منهُ لحمايةِ شقيقاتها من مؤسساتٍ تعليميةٍ في غزّة وكافة فلسطين والعالم أجمع..

فبذلك سنبقى أوفياءَ لأرواحِ أولئكَ الشهداء وننقلُ رسالةً لأحفادنا مؤدّاها أن لا أحدَ فوق القانون مهما كان؛ ومهما كانَ من يسانده؛ ويعتمدُ عليه ..

أبنائي الطلبة في أي مكان في عالمنا الذي نؤمن بقيمه. 
أنتم أصحابُ الموقِف وصنّاعُه .. أفكاركُم ومواقِفُكُم ذُخرٌ يعيد لنا الثقة في الذات، كما أنها مسؤولية من واجبي أن أتحمّلَها ويتحمّلُها معي كل من يُؤمن بقيمِ وقدسيةِ الإنسان في فلسطين وفي أي رقعةٍ من عالمِنا الذي نُريدهُ عالم سلامٍ وأمنٍ وحقّ ...  

ولإن وضعَ أشقائِنا في غزّة كما نَعلم لا يحتمل أي تأجيل، سنَبدأ وبِصفةٍ فورية بِمُخاطبةِ الأمينِ العام للأمم المتحدة لنُجدّد شجبَ وإدانةَ الاستهداف المقصود مِن قِبل القِوى الغازية للمدارس والمستشفيات ودورِ العبادة ومُطالبَته بتشكيلِ لجنةِ تحقيقٍ دوليّة تٌناط بها مُهمّة تحديدِ المسؤولين عن تلك الجرائم تمهيداً لتقديمِهم إلى العدالة.. 
ومن الناحيةِ الإجرائيةِ سنُواصل تعزيز التعبئة الدولية لحمايةِ وإعادة بناء وتأهيل المنظُومة الإنسانيةِ والتعليميةِ في غزة.