Her Highness Sheikha Moza bint Nasser
كلمة صاحبة السمو في افتتاح مؤتمــر تحديات الأمية في المنطقة العربية
بسم الله الرحمن الرحيم
السيد المدير العام لليونسكو
حضرات السيدات والسادة،،،
يسعدني أن افتتح معكم أعمال هذا المؤتمر الذي يتناول موضوعا في غاية الدقة والتعقيد كما نعلم.
فموضوعنا دقيق ليس لكون الأمية تمثل ذلك الشلل الذي يصيب الجهاز العصبي المركزي للمجتمع، ويفقده القدرة على القيام بوظائفهِ الحيوية فحسب ، وإنما لأننا من خلال إجتثاث تلك الآفة نستطيع أن نثبت جدارة انتسابنا باقتدار لهذه الألفية.
فهل يجوز لأحدنا أن يتصور تحقيق تنمية اجتماعية شاملة دون الأخذ بعين الاعتبار ، عند هندسة السياسات والإستراتيجيات المؤدية إلى ذلك، مسألة قيم المعرفة وتحسين القدرات البشرية ، والحق المشروع في الحصول على المعارف والمعلومات.
هذا عن دقة الموضوع، أما وجه التعقيد فيه، فهو أننا جميعاً وعلى كافة المستويات ، سواءٌ في عالمنا العربي أو خارجه ، نقدر أهمية مكافحة الأمية ، بل وضرورة ذلك.
لكن عندما يُطرح هذا العنوان تكون ردة الفعل ، في غالب الأمر ، في صيغةِ تقديم ما تم إنجازه من إستراتيجيات وخطط وبرامج لتطويق تلك الآفة كسبيلٍٍ لفك رموز القراءة والكتابة.
فهل يا ترى هذه هي وظيفة القرائيةِ؟ أم أن تلك الوظيفة كما أتصورها، يجب أن تكون مدخلاً لتحسين الكفاءة البشرية وبناء القدرات؟
فإذن علينا أن نحدد بدقةٍ تعريفنا للأمية، ذلك أن تحديد المفهوم والاتفاق على عناصرهِ يساعدنا لا محالة، في بناء منهجيةِ التصدي له.
فالقرائية بهذا المعنى هي ذلك النسق الذي يمكن الفرد من الفهم الجيد لكل ما يحيط به، ويمده بالأدوات الضرورية والمناسبة للتأثير الايجابي في بيئته ومحيطه سواء المباشر أو البعيد.
هذا التفاعل الجدلي يجعل القرائية مدخلاً للتنمية الإنسانية إذ هي سبيل الوصول إلى المعرفةِ وبناءِ مجتمعها.
كما أنها بهذا المعنى تمكن الفرد من توظيف ما اكتسبه من خبرات في خدمة ذاته وأسرته ومجتمعه والعالم.
حضرات السيدات والسادة،
نحن أمام نسقٍ مركب، نواجه به أشكالاً متعددة ًمن الأميــــات:
أمية القراءة والكتابة، أمية التكنولوجيا، أمية الوعي البيئي، أمية الثقافة، أمية الإعلام، أمية الصحة إلى غير ذلك.
فهل عند مقاربتنا لهذه الأشكال سنعتمد منهجية التجزيء التي تعتبر كل حالة مستقلة بذاتها، أم أن مجتمع القرائية يتطلب منا تناول هذه المكونات ضمن رؤيةٍ شموليةٍ.
أعتقد أن الخيار الثاني هو الأنجع خاصةً وأنه يتناغم و فلسفة التعلم مدى الحيــــــــاة.
نحن إذن أمام تحدٍ كبير لا يكفينا لمواجهته ، ما لدينا من قناعاتٍ ، بقدر ما يتطلب منا كثيراً من الإبداع والتخيل المجتمعي حتى نجد البيئة المناسبة التي تتيح فرصة ترعرع مجتمع المعرفة.
وعلى هذا الأساس فإن مأسسة القرائية شرط ضروري لجعلها اختياراً مجتمعياً يقوم على إرادةٍ سياسية ، تقدس دور المواطن أولاً ، وتعترف بمكانة المجتمع ودوره في هذا السبيل من خلال بناء شراكات واسعة مع منظمات المجتمع المدني التي بدونها سوف يتعذر تحقيق الأهداف المرجوة.
حضرات السيدات والسادة،
نحن مدعوون في هذا المؤتمر المخصص لتحديات محو الأمية في العالم العربي ، إلى تبادل الخبرات والتجارب فيما بيننا ، وأن نستفيد من كل ذلك لبناءِ مقاربةٍ متطورةٍ ضمن رؤيةٍ عميقة ، تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات منطقتنا على مختلف الصُعد ، دون إغفال انتسابنا إلى عالم سريع التغير .
علينا الآن ألا نضيع الفرص ، وأن نعي بأن بناء وتعزيز مجتمع المعرفة، وليس مجتمع المعلومات فحسب ، يتطلب
بالدرجة الأولى إرادةً سياسيةً تؤسس لإصلاحات عميقة تجعل من التعليم القوة الدافعة للمجتمع.
كما أن تلك الإرادة السياسية متى توافرت ستجعل من القرائيةِ عنصراً إستراتيجياً للتنمية البشرية المستدامة.
فمحو الأمية كما لاحظنا ، نسق يهم بناء المواطن ، ولذلك يجب ألا يتسم بالظرفية، والنخبوية و القطاعية ، كما يجب ألا يقيم اعتبارًا للفروق الجنسية أو الاجتماعية.
فنجاحنا في محو الأمية وفق هذا المنظور، سيكون الأساسِ نحو الحداثة والديمقراطية، كما سيمثل السبيل إلى السلمِ والاستقرار.
حضرات السيدات والسادة،
إذا كانت هذه هي قناعتنا الراسخة، فإن من واجبنا جميعاً أن نحرص على كافةِ مكونات منظومتنا التربوية، وأن نعمل على تطويرها لأنها سندنا القوي للعب دور مؤثر في هذه الألفية.
من هنا فإن حماية تلك المنظومة في كل الظروف ، وبصفة خاصة زمن الحروب والأزمات يجب أن يكون من أوجب واجباتنا.
إنه الصعب الممكن تحقيقه متى أعدنا جدولة أولوياتنا ، وتمكنا من رسم سياسة لا تراعي المصالح الأمنية قريبة المدى فقط ، وإنما تقوم أيضاًَ على رؤية سياسية ثاقبة ، تنظر إلى المستقبل وتخطط له باعتباره مخزوناً إحتياطياً للبقاء والاستقرار الإنسانيين.
ولعل حالة التعليم في العراق نموذج حي لما يمكن أن يترتب عن بعثرة الأجندات واختلاف الأولويات.
إذ كيف لنا أن نعلل توافر الإرادة والقدرة، لتجاوز ضغوط الوضع الأمني حينما يتعلق الأمر بحماية تدفق الموارد الطبيعية، في حين تنتفي تلك القدرة متى كان الهدف حماية ينابيع العقول من مؤسسات تعليمية وجامعية، فنقف متفرجين، ونعزي ذلك لصعوبة الموقف.
أليس الأجدر بنا ، ونحن لا نتوقف أبداً في كل المحافل ، عن الحديث عن التنمية المستدامة التي يعتبر الإنسان غايتها ووسيلتها ، أن نكون أكثر انسجاماً مع المنطق والعصر ، فنحرص كل الحرص على رعاية العقول قبل حماية الحقول.
أعتقد بأننا جميعاً في هذا الكون عرباً وغيرهم ، معنيون تماماً بالتضامن مع الطلبة والجامعيين والفاعلين التربويين بالعراق باعتبار الجميع عمقاً استراتيجياً للعقل العربي والإنساني.
وأرى بأن من واجبنا ومن واجب اليونسكو باعتبارها الساهرة على الضمير التربوي العالمي أن نجتهد لإيجاد آليات لتفعيل هذا التضامن.
وسيكون هذا التضامن خير دعمٍ للمنظومة التربوية العراقية التي كانت نموذجاً يحتذى به في كيفية محاربة الأمية، والتي تحتاج منا الآن إسناداً قوياً لتواصل نفس الدور.
حضرات السيدات والسادة،
إن اجتثاث الأمية مطلب لا يقل أهمية عن مقاومة الاحتباس الحراري وتطويق داء فقدان المناعة.
في جميع الأحوال نحتاج للتعاطي مع هذه الظواهر الخطيرة ، لكثير من الإبداع والتخيل ، ونحتاج أكثر إلى صياغة رؤية متكاملة تحقق التنمية المستدامة المنشودة من خلال تجاوز تلك الظواهر.
ولذلك علينا أن نفكر جميعاًَ في مرحلة ما بعد هذه المؤتمرات الإقليمية، وكيف يمكننا أن نوظف ما توصلنا إليه من نتائج لنجعل من محو الأمية رافداً إستراتيجياً للتنمية المستدامة.
حينئذٍ فقط يمكن أن نضع أيدينا على مفتاح تطويق الأمية في دلالاتها الواسعة.
أشكركم على حسن استماعكم.