هيوستن تكساس، الولايات المتحدة الأمريكية، 21 مايو 2007

السيدات والسادة،

يسرني أن أكون هنا هذا المساء، بيد أن لدي اعترافاً أدلي به أولا. فعلى مر السنوات القليلة الماضية، كثيرا ما كنت ادعى للدخول في مناقشات عامة عن وضع المرأة في الشرق الأوسط. و عادةً ماكنت اعتذر بلطف عن هذه الدعوات. وكنت أفعل ذلك لأنني أعتقد اعتقادا راسخا أن فصل وضع المرأة عن القضايا الأوسع نطاقا في المنطقة محمل بأعباء التاريخ السياسي كما يرزح تحت كمٍ من المفاهيم الخاطئة مما أدى إلى منهجية تحقق عكس المرجو منها.

وكثيرا ما يضع النقاش حول موضوع المرأة في الشرق الأوسط، المرأةَ في سياق معركة بلا حدود ضد التقاليد القمعية والعقائد التي تسود المنطقة، متجاهلا بذلك الواقعَ الاجتماعي والسياسي الأوسع نطاقا. ويتأرجح هذا النقاش بشكل خطير بين قطبين:الموالين والمبررين. إذ تتبع الفئة الأولى خط الحركة النسائية الاستعمارية على أمل تنوير المرأة في الشرق الأوسط. ويفترض أتباع هذا الخط وجود صراع لا نهائي بين تحرر المرأة والدين. ويأملون في أن نعود إلى رشدنا ونحصل على نفس أنواع الحقوق والحريات التي يتمتعون بها، والتي لا تكفلها في نظرهم، بالطبع، سوى العلمانية. وفي الجانب الآخر من النقاش، نجد فرعا من المبررين يزداد نموا ينكر وجود مشاكل تتعلق بقضايا المرأة في المنطقة. ويدعي أصحابه أن العودة إلى نظرتهم إلى الإسلام هي كل ما نحتاجه لضمان حقوق المرأة. وتستغل وجهةُ النظر هذه الشبهةَ التي تحوم حول الحركة النسائية بأنها حركة تم تحويرها، تماما كما جرى تحوير الأخذ بالديمقراطية لتحقيق أهداف سياسية أخرى ، ما حوَّل حقوق المرأة إلى غطاء لتمرير مخطط علماني يهدف إلى القضاء على هويتنا وعقيدتنا الدينية. 

أعتقد أنه آن الأوان لأن ننأى عن هذين القطبين كما يجب ألا نصور هذا النقاش وكأنه معركة بين العلمانية والتعصب. بل ينبغي أن نُخرجَ النقاش من هذا القالب ونضعه في سياقٍ تركِّزُ فيه المناقشة على الطريقة التي يمكننا من خلالها ضمان حقوق الإنسان بشكل عام.

السيدات والسادة،

إن مشاكل حقوق الإنسان في أنحاء المنطقة موثَّقة ومعروفة جيدا. وفي الحقيقة، فإن العالم بأسره يواجه تدنياً حاداً في حقوق الإنسان، لا سيما منذ 11سبتمبر وما تبع ذلك من "حرب على الإرهاب". إذ تُرتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان باسم الأمن والديمقراطية. لذا، فإن أي نقاش لانتهاكات حقوق الإنسان في الشرق الأوسط يجب أن يبدأ من هنا. وفي هذا الإطار يمكننا مناقشة قضايا المرأة باعتبارها عضوا في مجتمع أكبر يشهد كمّاً كبيرا من الانتهاكات لحقوق الانسان فيه، سواء من جانب الحكومات أو المحتلين الأجانب، في حقوقهم في التعليم والفرص الاقتصادية وفي المشاركة السياسية. 

دعونا نتناول أمثلة قليلة، ولنبدأ أولا بالتعليم:

لقد حيّرتني بعض الاستنتاجات الواردة في آخر تقرير عن التنمية البشرية في العالم العربي. فقد أشار التقرير إلى أن نسبة 98،8 في المائة ممن شملهم المسح في المنطقة، وبينهم رجال، أفادوا أن للمرأة ذات الحق مثل الرجل في التعلم. وفي حين يأتي التقرير على ذكر فوارق شاسعة في معدلات التعليم في أنحاء المنطقة، لم يقدم أي تفسيرات يعتد بها لهذه الفوارق. وفي شكل متناقض مع نتائج المسح الذي أجراه ذات التقرير للقيم العامة، خلص التقرير إلى أن الفوارق بين الجنسين في التعليم ناجمة عن "التمييز" ضد المرأة في المنطقة. 

ينبغي ألا نكتفي بمجرد تقبُّل الفكرة النمطية بأن هذه الفوارق قائمة بسبب التقاليد المورثة الدائمة الوجود، خصوصا متى كانت أصواتُ شعبنا واتجاهاتٌ عالمية أخرى مماثلة في مناطق أخرى تدعي وتثبت عكس ذلك. لذا يتعين على المفكرين الدعوة إلى إجراء دراسات أكثر عمقا تجري تحليلات أكثر ابتكارا للأسباب الحقيقية الكامنة وراء الفوارق بين الجنسين. كما يتعين على المفكرين التركيز على أسباب هذه المشاكل. فكيف يمكننا أن نتكلم بجدية عن معدلات التعليم في منطقةٍ دمرت الحربُ والفساد والفقر قسما كبيرا منها، وفي منطقة يأتي فيها حق المواطن في التعليم في الدرجة الثانية بعد حماية حقول النفط فيها؟ وفي لبنان والعراق وفلسطين التي تُستهدف فيها الأبنية المدنية، بما فيها المدارس، بشكل متعمد، ويُقتل فيها المعلمون ويفرض الحظر فيها على أبسط متطلبات التعليم.                       

السيدات والسادة،

علينا أيضا أن ننزع المقارَبة المعتمدة إزاء الفجوة الاقتصادية بين الجنسين في المنطقة، من قالبها الحالي. فللشرق الأوسط تقليد عريق في ما يتعلق بوجود أصحاب مبادرات استثمارية فردية من النساء. وهناك أيضا أدلة تاريخية كافٍية تبين النشاط الاقتصادي الذي كانت تزاوله المرأة حتى قبل الإسلام. وقد تأكد ذلك الوضع فيما بعد في القرآن الكريم الذي حدد تفاصيل أخلاقيات العمل، وكيفية إجراء المعاملات، و تقاسم الثروة. بيد أنه لم يذكر ولو مرة واحدة أنه ينبغي حصر المرأة في مجالات أو وظائف محددة. واليوم، نجد في منطقتنا العديد من النساء المنخرطات في إعادة نهضة المنظمات غير الحكومية والمؤسسات والصناديق التي اتخذت تاريخيا شكل الأوقاف . وقد، سُجلت في الواقع زيادة نسبتها 19 في المائة في حصة المرأة من النشاط الاقتصادي منذ عام 1990، كما أن المرأة تملك أكثر من 25 في المائة من الأعمال التجارية الخاصة في بعض بلدان الخليج.

ومع ذلك، لا تزال هناك الفجوة بين الجنسين في مجال المشاركة الاقتصادية. ففي العديد من بلدان الخليج مثلا، يفوق ارتياد المرأة للمؤسسات التعليمية مشاركتَها في الحياة الاقتصادية إلى حد كبير. إلا أن المثير للاهتمام هو أن المؤشر العالمي للفوارق بين الجنسين Global Gender Gap Index الذي نشره المنتدى الاقتصادي العالمي في عام 2006، يشير إلى أن وجود فجوة بين الجنسين، سواء كانت في التعليم أو الاقتصاد ليست محصورة في منطقة الخليج أو المنطقة العربية ولكنها تمتد الى مناطق اخرى من العالم. 

ومن المؤكد وجود تنوع اقتصادي كبير في منطقتنا رغم اننا نعاني مشاكل جدّية على رأسها عدم التوازن بين التعليم ومتطلبات السوق بين الرجال والنساء. ونعاني أيضا من معدلات مرتفعة للبطالة لدى الشباب في بعض المناطق، ومن الاقتصادات غير المستدامة، والاعتماد المفرط على اليد العاملة الأجنبية، والتوزيع غير العادل للثروة، والاقتصادات الموجَّهة بشكل مفرط.

ومرة أخرى، ينبغي على الدارسين الكف عن تحميل الإسلام مسؤوليةَ الفجوة الاقتصادية بين الجنسين، وإجراء تحليلات مقارَنة على الصعيدين الإقليمي والدولي. ومرة أخرى، علينا أن نستخلص العبر الخاصة بنا وعدم قياس مساهمة المرأة في المجتمع تبعاً لمجرد لمساهمتها في مكان العمل. وعلينا أن نكون خلاقين في وضع مؤشرات جديدة تقيِّم عملَ المرأة في البيت، وفي وضع سياسات ابتكارية تجعل من البيت مكانا للارتفاع بمستوى الدخل. وعلينا تقديم خيارات قادرة على التوفيق بين معتقدات المرأة وحياتها.خيارات تمكن المراة من الاحتقاء بكونها إمرأة بدلا من كونها حبيسة بدلة رجال الاعمال وخيارات تعطي المراة حرية تحديد اولوياتها واقامة التوازن بين دورها كامراة وام فقد سمحت خيارات كهذه لنساء على درجة عالية من التحصيل العلمي من تأجيل مستقبلهن المهني من أجل توفير بيئة أسرية جيدة و لتحقيق أحلام الاسرة. 

السيدات والسادة،

اسمحوا لي أن أقدم مثالا إضافيا أخيرا يؤيد دعوتي إلى اعتماد خطة بحثية غير موضوعة في قالب محدَّد. وسأتناول هنا المشاركة السياسية.

لا يمكنني أن أفهم كيف يمكن مناقشة المشاركة السياسية للمرأة باعتبارها تعيش حالة انفصال مع الواقع السياسي للمنطقة. هذه المنطقة التي تسيطر فيها القلةٌ على الكثرة، والتي لا تزال فيها الحقوق السياسية الأساسية كحرية التعبير والحق في التجمع وفي إقامة الجمعيات، غير موجودة أو حديثة العهد. كما لا يمكننا، بكل صراحة، التحدث عن المشاركة السياسية للمرأة في برلمانات شكلية؟ حيث غالبا ما يكون وجود المرأة فيها مجرد مظهر للتقدم دون أن تكون لها أي سلطة؟ وحيث باتت المرأة سلعة سياسية، ومؤشر تقدُّم أو تأخُّر، تُستخدَم لأهدافٍ مُرائية غايتها كسب ودّ أنظمةٍ أو منحها براءة ذمة.

وفي الحقيقة فانه لا يوجد شيء في ديننا أو تقاليدنا يحول دون المشاركة السياسية للمرأة. إلا أن المرأة مستبعَدة عن هذه المشاركة لنفس الأسباب التي استُبعد الرجل على اساسها.

السيدات والسادة،

في هذا المساء، أناشدكم أن تضعوا جانبا القوالب القديمة التي ما فتئنا نستخدمها في تعريف قضايا المرأة في الشرق الاوسط بأن تلبي مناهج بحثية جديدة لدراسة الماضي والحاضر، هذه القوالب عينها التي كانت ولاتزال سبب المفاهيم المضللة و القمعية. وأنا لا أدعو إلى إعادة وضع قضايا المرأة في قوالب أخرى بل إلى كسر هذه القوالب.

لقد أحرز المفكرون تقدماً مذهلا في تفكيك الخطاب الأبوي الغربي. وأنا أناشدهم توخي الهمة نفسها في تفكيك التركة البالية للحركة النسائية الاستعمارية وخطاب التشدد الديني. ويتطلب هذا الأمر إعادة قراءة نقدية وإعادة بناء لتاريخ المرأة في الشرق الاوسط. كما يتطلب إبداء فضول صادق إزاء الحاضر وانتزاعاً للقضايا المعاصرة بين الجنسين من قالبها.

وأناشد الباحثين بشكل خاص إعادة النظر في وضع المرأة في شبه الجزيرة العربية التي كثيرا ما غُيبت من سجلات التاريخ الرسمية للمنطقة. فالاسترشاد بأرواح جداتنا يبدو جليا في نهضة المرأة المضطلعة بأدوار قيادية في جميع نواحي مجتمعاتنا. وعلى سبيل المثال فان الانجازات التعليمية المرموقة للمرأة الخليجية اليوم ليس إلا انعكاساً لهذه الروح المثابرة الساعية أبدا إلى إثبات الذات والالتزام الموروث من بطلات ماضينا العريق. لذا، فإن استعادة هذا التقليد يشكل جزءاً لا يتجزأ من كسر القوالب المقيدة لدراسة وضع المرأة في المنطقة. 

وكل ذلك يتطلب ألا نجعل من المرأة المسلمة موضوعات للحوار بل النظر اليها باعتبارها قضايا من ماضينا وموجودة في حاضرنا. فلنتجرأ على كسر هذه القوالب التي وُضعنا فيها في لوحات الاستشراق".            

المزيد من الخطابات