لندن، المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا الشمالية، 24 فبراير 2007

السيدات والسادة،
شكراً لكم على تواجدكم هنا هذا المساء لتبادل الأفكار. لقد تشرفت بدعوتي إلى تشاتام هاوس لكنني ترددتُ عندما طُلب مني أن أتحدث عن الصراع بين "الإسلام" و"الغرب" وعن تجربتي كعضو في المجموعة رفيعة المستوى لتحالف الحضارات. 
يعود تردّدي إلى عدة أسباب، أولاً، لأنني شعرت أن الحديث عن هذا الموضوع أصبح ممارسة سياسية وبالتأكيد أنا لا أعتبر نفسي شخصيةً ًسياسيةً. ثانياً، لا أرغب بالوقوع في فخ الخطاب السائد. وأعني هنا المصطلحات الخاطئة عن "الإسلام" و"الغرب". ونظراً للمداولات المعقدة والجارية منذ أكثر من عقد من الزمن، تساءلت عما يمكنني إضافته في هذا الإطار.
وقد أعادني هذا إلى الشعور نفسه عندما طُلب مني الانضمام إلى الفريق رفيع المستوى لتحالف الحضارات، حيث كان هدفنا التوصل إلى أساليب عملية لمواجهة خطاب صراع الحضارات. حتى ذلك الحين، كانت تجربتي الخاصة مقتصرة على اهتمامي بالإجراءات العملية الخاصة بالتعليم والشباب. ومن خلال عملي في هذه المجالات، تعلمت أن أركز على تعزيز ثقافة الجودة والابتكار التي تعتبر ركيزةً للتنمية الحقيقية بهدف تمكين الأمة والشعب من الوقوف بكرامة كشريك في المجتمع الدولي. 
كما أدركتُ أن الشباب مستعدون لرسم مستقبلهم إذا ما توفرت لهم الأدوات المناسبة وسبل الابتكار. واكتشفتُ أن الهدف المشترك يجمع المجتمعات ذات الثقافات والأديان والقيم المتنوعة لتحلم معاً وتحقق مستقبلاً أفضل. لذا، عندما انضممت إلى فريق العمل رفيع المستوى لتحالف الحضارات، كان من المهم بالنسبة إلي أن أستحضر هذه الدروس من أجل إيجاد طرق جديدة ومبتكرة للرد على رواية الصِدام.

وحينها كنا نشكل مجموعة متنوعة ضمن الفريق رفيع المستوى ونمثل، في نواحٍ كثيرة، العديد من الأصوات التي تناضل كي يتم سماعها في جميع أنحاء العالم. قبل أن نبدأ مهمتنا، شكك الفريق بأكمله بحقيقة أن اقتصار مناقشاتنا على الإسلام والغرب سيبدو في الواقع كما لو أننا نحتمي بالإطار الذي كنا نحاول تفكيكه. لقد تساءلنا عن السبب الذي يجعل أي نقاش حول تحالف الحضارات يشير بالضرورة إلى أن الصراعات الناتجة عن الاختلافات بين المجموعات السياسية والطبقات والقوميات تقدم تفسيرات مقنعة للعنف أكثر مما تقدمه الثقافة والدين. ومع ذلك، وبعد الكثير من المناقشات، لاحظ الفريق رفيع المستوى أن الانقسام بين الإسلام والغرب أصبح، بغض النظر عن قيمته الحقيقية، العقيدة السياسية السائدة في عصرنا. ومن أجل إلقاء الضوء على الطبيعة السياسية للانقسام الحالي، رأى الفريق الحاجة إلى نقاش داخل الصندوق، إذا جاز التعبير.
شخصيًا، لم أشعر أبدًا بالارتياح تجاه هذا التقييد وشعرت أن استعدادنا للاستسلام لهذا الواقع الملموس حد من قدرتنا الإبداعية. لقد نجحنا في تفكيك النموذج الحالي، لكننا لم نعتمد رؤية بديلة بشكل فعال. ولذلك، أود أن أخصص بعض الوقت اليوم لتوضيح موقفي حيال ما أراه خطوات ضرورية تخص الانتقال من التفكيك إلى البناء.
السادة الضيوف الموقرون،

أعتقد أنه سعياً إلى تفنيد الإدعاء بأن الإسلام في مواجهة مع الغرب، نحتاج إلى الانخراط في عمليتي التفكير النقدي وتصميم التفكير. ومن خلال التفكير النقدي يمكننا تحليل الخلل في العقيدة السياسية الحالية والإشارة إلى ضعف الأسس التي تقوم عليها. ومن خلال التفكير في التصميم يحق لنا الشروع في بناء واقع بديل.

تبدأ هذه العملية بالإقرار بأن روايات الصراع والتعاون كانت إحدى الآليات التي سُجّلَ من خلالها تاريخ البشرية. ولسوء الحظ، فإننا غالبًا ما نبرز الاشتباكات التي تحدث عندما تتواجه المجموعات مع بعضها بعضاً ولا نركز بما فيه الكفاية على ما تتعلمه المجتمعات من مسألتي الصراع والتعاون، فإلى جانب روايات المواجهات نجد روايات التعاون.
ويتضح هذا بشكل خاص في تاريخ التفاعل بين المسلمين والحضارات الأوروبية عندما كانت هناك اتصالات عديدة بين الحضارتين على مدى 1400 سنة الماضية وذلك في مجالات التجارة والتعلم والفن والتبادل التكنولوجي. كانت هناك فترات من التفاعل السلمي وفترات من التنافس والحرب. وعبر التاريخ، كنا مرتبطين ببعضنا كجيران، نتفق أحيانًا ولا نتفق في أحيان أخرى. ولكن وبسبب جيرتنا، آمنّا دائماً بضرورة حل خلافاتنا.
منذ القرن الثامن فصاعدًا، تعامل التجار المسلمون مع التجار الإيطاليين على طول البحر الأبيض المتوسط ومع التجار السلافيين وغيرهم من شمال أوروبا حتى بحر الشمال والبحر الأسود. 
نقلت أعمال المنح الدراسية من بيت الحكمة، التي تُرجمت تدريجيًا إلى اللغات الأوروبية، المعرفة الإسلامية الخاصة برسم الخرائط والفلسفة والعلوم والفن والرياضيات إلى الأوروبيين وساهمت بشكل كبير في النهضة الأوروبية.
لقد درس الأوروبيون في العصور الوسطى بحماس كبير أعمال ابن رشد والرازي والغزالي والكندي. وأصبحت مختلف الكتب المترجمة من طرف المفكرين المسلمين هي النصوص الأساسية المعتمدة من قبل أكبر الجامعات الغربية.
ما الذي جمع هؤلاء الجيران معًا وأبقى تاريخهم متشابكًا؟ شيئان: التجارة والفضول لمعرفة ما لدى الآخر.
قد يذهب المرء أيضًا إلى أن العلاقات الإسلامية مع الغرب اتسمت بالمواجهات العنيفة. وهذا صحيح. ومع ذلك، ففي فترات الصراع تلك، كنا نتعلم من بعضنا بعضاً. على سبيل المثال، تروي السجلات أنه عندما تعرّف الصليبيون على الحضارة الإسلامية، تأثروا بشدة بالتقنيات الجديدة والمعرفة الطبية والمؤسسات القانونية والتقاليد الدينية. كيّف الصليبيون التجارة لتصبح وسيلة لكسب العيش وأصبحوا وسطاء في التجارة بين الشرق والغرب. وبعد قرون من الحروب الصليبية، ساد الاحترام الأوروبي لشجاعة المسلمين وأخلاقياتهم في العيش عندما كتب فولتير: "لم يضطهد صلاح الدين أحداً قط بسبب دينه؛ لقد كان في الوقت نفسه فاتحًا وإنسانيًا وفيلسوفًا".
وفي المنطقة العربية، تعاني ذاكرتنا الجماعية مؤخراً وبشكل خاص من آثار لا تُمحى بسبب الصراعات مع الغرب، بدءاً بمخلفات الاستعمار الأوروبي. لقد أدت سياسة "فرق تسد" إلى كسر التحالفات بين المجتمعات التي كانت موجودة منذ قرون. وخلقَ رسم الخرائط الجديدة عبر مشهدنا الجغرافي والسياسي انقسامات لا تزال موجودة حتى يومنا هذا.

إن محاولة تطبيق المبادئ العلمانية أدّت إلى الخوف من فقدان مبادئنا الدينية الأساسية. كما أدّت الحاجة إلى موارد الطاقة إلى دعم الاستبداد لتأمين تدفق النفط.
ومع ذلك، حتى إبّان هذه العلاقات المتوترة، كان هناك ارتفاع في التبادل الفعال. واستمر تبادل المعرفة والقيم مع تعزيز الترابط الاقتصادي والتكنولوجي خلال القرن الماضي.
ولا يزال هناك ارتفاع في روح التجارة وحب الاستطلاع، على الرغم من استمرار العنف السياسي.
من المهم أن نكون صادقين بشأن طبيعة العنف السياسي في يومنا هذا، إذ لا يقتصر العنف السياسي على الأفراد أو الجماعات المستاءة سواء كانوا علمانيين أو متدينين. ويتم تنفيذه أيضًا على نطاق واسع من خلال الإجراءات غير القانونية التي تتخذها الدول ضد دول أخرى ومن قبل الدول ضد مواطنيها. العنف السياسي لا يعني بالضرورة إراقة الدماء في الحرب أو الصراع، بل قد يعني تدمير مجتمع من خلال وسائل أخرى مثل العقوبات الاقتصادية وتجاهل الخيارات السياسية التي تؤدي إلى تراجع بطيء ومذل، فالعنف عمل سياسي وليس له أي خلفيات ثقافية أو دينية. والنشاط السياسي الإسلامي، مثل النشاط السياسي المسيحي أو اليهودي، لا ينطوي بالضرورة على العنف، فالنشاط من أي نوع يأتي استجابة لمشاعر طويلة الأمد من الذل والإحباط والعجز واليأس تعبيراً عن موقف يتخذ ضد الوضع الراهن. إنه ليس موقفاً ضد الديمقراطية، بل صرخة طلباً للمساعدة من أجل التغيير.
السيدات والسادة،
إذا قبلنا هذه الحجة، علينا أن نعترف بأن الحلول التي صغناها في الماضي هي حلول خاطئة. وهذا يؤدي بنا إلى المرحلة الثانية من حل المشكلات من خلال تصميم التفكير. ومن أجل الوصول إلى حل، علينا أن ننتصر على الخوف من الفشل وأن نجرب ما لم يتم تجربته. وهذا ليس ما كنا نفعله في الماضي.
نحن نواجه مشاكل ذات أبعاد عالمية وبدلاً من تقديم حلول خارج الصندوق، نواصل القتال على الصندوق نفسه! وبدلاً من صياغة حلولنا في سياق عالمي، نستند على عقيدة سياسية خاطئة. 
من أجل مكافحة العنف بشكل حقيقي، نحتاج إلى تجاوز خطاب "الإرهاب" و"الأمن" وتشخيص الأسباب بدقة.

أشعر أن لدينا الكثير لنتعلمه من هؤلاء التجار والعلماء القدماء الذين استخدموا التجارة والقيم المشتركة من أجل التقدم. وأنا أناشد نظراءهم في العصر الحديث: صانعي السياسات والسفراء والسياسيين ورجال الأعمال أن يدعوا إلى حشد فكري وسياسي حقيقي والذي يتطلب أن نستمع إلى حجج أولئك الذين أغوتهم أعمال العنف، والشروع بحوار سلام. ويستلزم ذلك أن نتداول مع بعضنا بعضاً على أعلى مستوى من الحوار السياسي والإعلان عن هذه المناقشات. ومن المهم بالقدر نفسه فهم مخاوف وهموم أولئك المثقلين بالمعلومات الخاطئة والتحيز وإضاءة ظلام الجهل بشعلة الفهم والأمل. وعلينا الاعتقاد بأن الحرب أو المواجهة يمكن أن تحل مشكلة العنف وتستبدلها بسياسة الحوار والدبلوماسية. ويتعين علينا أن نبني أخلاقيات يمكننا الاتفاق عليها، استناداً إلى قيمنا المشتركة للحصول على حلول.
السيدات والسادة،
منذ البداية، أدرك المسلمون أهمية الأخلاق والأخلاقيات في توجيه التنمية البشرية. وقد ضرب النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) هذا المثال عندما طرحَ ميثاق المدينة المنورة الذي شكل الأساس البنائي للمجتمع السياسي. لاحظ المؤرخ الشهير ابن خلدون أنه بينما يلعب الاقتصاد والمعرفة دورًا مهمًا في تطور المجتمعات البشرية، إلا أنهما يجب أن يظلا خاضعين للأخلاقيات. وفي الواقع، إن التقليد المشترك بين الديانات الإبراهيمية يبرز أهمية النظام الأخلاقي في تقدم الجنس البشري.
وفي الوقت نفسه، يجب أن نلاحظ أنه لا يوجد أحد يحتكر الإيمان بالله وأن التقوى المتشددة التي تتجلى في العديد من ديانات العالم تعكس انحرافاً عن القيم الأساسية لتقاليدنا الدينية المشتركة. ورغم أن أقلية فقط من الأنشطة الدينية تقترن بأعمال عنف، إلا أننا يجب أن نتحد في إدانة رؤيتهم للإبادة. وبالمثل، ينبغي لنا أن ندين العلمانية العدوانية التي تتجاهل معتقدات وقيم الآخرين وتعادي بشكل علني حرية العبادة والممارسة. ويتعين علينا أن نكون ثابتين في استبدال كلا الشكلين من الغطرسة بأخلاقيات عالمية خلاقة بُنيت واتّفق عليها بين المجتمعات الدينية والعلمانية.
ويبدو أن هذا الخطاب غير وارد للأسف في المناقشة الحالية. ولإعادة تنشيط هذه الرؤية، نحتاج إلى نشر أخلاقيات عالمية تعمل على تفادي الانقسامات وتحترم التنوع. إنها أخلاقيات تتمسك بما هو مشترك بيننا وتترك مساحة لاختلافاتنا.

إن مثل هذه الأخلاقيات هي وحدها القادرة على توجيه مسار العولمة وإعادة توجيهنا بعيداً عن المسار الحالي.
لقد أثبتنا بالتأكيد أنه بدون إطار أخلاقي، فإن العولمة تسير في طريق التدمير.
قد تعتبرون مثل هذا الالتماس ساذجًا. ولكن دعونا نفكر، بلا خوف، مثل مفكري التصميم الحقيقيين، فيما يتعلق بالممارسات والتدابير التي قد تنطوي عليها هذه الأخلاق العالمية.

السيدات والسادة،
أعتقد أننا بحاجة إلى التركيز على شبابنا لأن الجيل القادم هو الذي سيبني هذه الأخلاق. وفي هذه العملية سيُعتمد تفاهم جديد بين الإسلام والغرب. لقد حان الوقت لنتوقف عن النظر إلى السكان الشباب باعتبارهم مشكلة يجب حلها، سواء في الشرق الأوسط أو في أوروبا، وأن نعتمد عليهم ليكونوا جزءًا من الحل. وكما يشير تقرير الفريق رفيع المستوى، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لديها أدنى معدل لمشاركة الشباب في القوى العاملة، ولكنها واحدة من أعلى نسب الشباب بين عامة السكان. وتشير دراسات أخرى إلى ضرورة خلق 100 مليون فرصة عمل على مدى خمس عشرة إلى عشرين سنة. ومن الواضح أن هناك دوراً لكل من الحكومات والمؤسسات الخاصة لتحفيز سوق العمل حتى يصبح الشباب محركاً للتنمية.
ولعلنا نستطيع أن نتعلم من تجربة شرق آسيا، حيث كانت طفرة الشباب في الستينيات والسبعينيات عاملاً مهماً في النمو الاقتصادي. ويتعين على أوروبا أيضاً أن تنظر على نحو ابتكاري للأعداد المتزايدة من الشباب المسلمين والتوقف عن النظر إليهم على أنهم تهديد. وبينما لدى العالم الإسلامي عدد متزايد من الشباب، يزداد عدد المتقدمين بالسن في أوروبا. 
في عام 2000، توقعت الأمم المتحدة أن تحتاج دول الاتحاد الأوروبي إلى أكثر من مليون ونصف مهاجر  للحفاظ على عدد السكان في سن العمل كما كان عام 1995. ولا يوجد سبب يجعل التغيرات الديموغرافية في كل من المنطقتين غير قادرة على تعزيز التنمية في المنطقة الأخرى. نحن بحاجة فقط إلى وضع العقلية والسياسة المناسبة لتحقيق ذلك.
وفي كلتا المنطقتين، يتعين علينا أن نستعيد ثقة شبابنا - ليس فقط اقتصادياً بل سياسيا ًكذلك- من خلال العمل على تمكين أصواتهم من أجل التأثير على المستقبل باعتماد وسائل سلمية. إن نشاط الحركات العنيفة أمر مهم لأنه يدعو إلى تغيير الوضع الراهن الذي يشكل سبباً للغضب. الشباب في الشرق الأوسط ليسوا ضد الثقافة الغربية، بل ضد السياسات الخارجية والداخلية لبلدانهم التي تدعم الوضع الراهن وتضطهد الأغلبية. في الواقع، أشارت دراسة أجريت عام 2005 في ست دول في الشرق الأوسط إلى أنه على الرغم من وجود رفض عام للسياسات الخارجية الأمريكية في المنطقة، إلا أن غالبية الناس معجبون بالحرية والديمقراطية في أوروبا. ويشيرون في الوقت نفسه إلى وجود فراغ في العلاقة السياسية في المنطقة العربية.
وتشكل خيبة الأمل السياسية أيضاً مشكلة بالنسبة إلى المسلمين في أوروبا. وفي استطلاع للرأي أجري عام 2004، أظهر أنّ ما يقرب من نصف المسلمين الذين شملهم الاستطلاع في المملكة المتحدة لن يصوتوا في الانتخابات المقبلة. وخلص التقرير إلى أن المسلمين في بريطانيا أعربوا عن ثقتهم في المؤسسات الوطنية مثل السلطة القضائية والتشريعية والأحزاب السياسية، إلا أنهم ظلوا بعيدين عن السياسة.
أعتقد أننا إذا نجحنا حقاً في تغيير الظروف المعيشية الحقيقية للشباب، في كل من أوروبا والشرق الأوسط، وسمحنا لهم بالمشاركة الاقتصادية والسياسية الكاملة في مجتمعاتهم، فإن فكرة العنف سوف تتبدد. يمكن أن يكون الشباب القوة الدافعة نحو الاعتماد الاقتصادي المتبادل ومصدر التفكير الابتكاري المطلوب بشدة لإحداث نهضة حقيقية بين الغرب والدول الإسلامية.
السيدات والسادة،
يُعد التعليم محرّكاً لإحياء العلاقات التعاونية. وأعني هنا التعليم العميق، الذي لا يرتبط فقط بالتعلم المدرسي ولكنه يستهدف تطوير إدراكنا لأنفسنا ولبعضنا بعضاً وكيفية مشاركتنا معاً في التقدم الاقتصادي.
ومن المهم اتباع نهج ثلاثي لإصلاح التعليم، يستهدف محتوى التعليم ومنهجيته. وعلينا أن نعمل جاهدين للقضاء على الأمية التي تقف عائقاً أمام تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين. وبالجدية نفسها علينا أن نعمل بالقدر على إعادة تقييم محتوى ما نشعر أننا نعرفه. ويشمل ذلك قبول الروايات التي قد تكون غير صحيحة ولا جدال فيها، سواء في الغرب أو في البلدان الإسلامية. علاوة على ذلك، يتعين علينا التأكد من أن محتوى التعليم مناسب لاقتصاداتنا والسوق العالمية وإعداد مواطنينا للمشاركة الكاملة في الاقتصاد العالمي. وأخيراً، فإن منهجية التعليم لها القدر نفسه من الأهمية لأنه من خلال التفكير النقدي والانفتاح والتفاهم بين الثقافات يمكننا أن نتخلى على التلقين والغطرسة الثقافية. وكما قلت، فإن التفكير النقدي هو الخطوة الأولى لتصميم نموذج مبتكر للمستقبل.

ومع ذلك، اسمحوا لي أن أوضح أن التعليم وحده لا يمكن أن يحقق سوى القليل جداً في غياب الحشد السياسي والاقتصادي. هناك أدلة تشير إلى أن التعليم العالي يؤدي بالفعل إلى مزيد من الوعي السياسي والاقتصادي. إن هذا الوعي، بدون الحرية السياسية والفرص الاقتصادية، لا يضمن اللاعنف.
ومع ذلك، ينبغي لنا أن نكون مستعدين لنتائج التمكين وألا نسمح للخوف من التغيير بإعاقة خطواتنا الشجاعة نحو التفاهم. إن التعليم والتحول الديمقراطي يسمحان بالتعبير العلني المفتوح عن العداء المكبوت ولا بد لذلك أن يٌعتمد. وفي المجتمعات الإسلامية، قد يتخذ هذا شكلاً من مختلف أشكال النشاط السياسي بدلاً من التمرد على الوضع السائد كما في القرون القليلة الماضية. وفي أوروبا، قد يؤدي ذلك إلى تحديات خطيرة للسياسات الخارجية وسياسات الهجرة وإعادة التفكير في الهوية الأوروبية. ولذلك فإن الإصلاحات في مجال التعليم، سواء في الغرب أو في البلدان الإسلامية، يجب أن تكون مصحوبة بإصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية وتحولات في السياسة الخارجية. وفي النهاية، أعتقد اعتقاداً راسخاً بظهور مجتمعات أكثر استقراراً وكفاءة. 
ومن المؤكد أن هناك حاجة إلى ضمان نزاهة المؤسسات القوية التي بإمكانها مساعدتنا في هذا التغيير. إن قواعد القانون والحكم الخاضع للمساءلة والبرلمانات التمثيلية وظهور مجتمعات مدنية نشطة هي الضمانات في أوقات التحول. وحينها يسمح المجتمع المدني القوي للمواطنين بالتعبير عن تنوعهم. وبالتأكيد التنوع هو مصدر قوة. وهذا واضح بالنسبة إلينا في الخليج، حيث ساعدنا التنوع السكاني في بناء دولنا. وواضح كذلك عند البلدان الأوروبية حيث ساعدت أعداد كبيرة من السكان المسلمين في بناء الاقتصاد الأوروبي. كما أن الشراكات بين مؤسسات التعلم تفعل الكثير لتغيير فكر المواجهة والحفاظ على النقل الحقيقي للمعرفة القائمة على الجودة والثقة. ولا يمكن الاستهانة بدور التعلم والمؤسسات في التفاوض على التغيير والعمل كمراكز للابتكار.
السيدات والسادة،
وكما هي الحال بالنسبة إلى مؤسسات المعرفة والبحث والتعلم، تلعب وسائل الإعلام دورًا هائلاً في إحداث تغيير حقيقي – بوصفها حليفاً قوياً أو عدواً أو طرفاً في الحوار والتفاهم. ولسوء الحظ، يبدو أن وسائل الإعلام قد وقعت فريسة لإثارة العنف واستمرارية الصِدام.

هل يمكن لوسائل الإعلام أن تعطي الأولوية لواقع بديل للتفاهم؟ هل من الممكن أن تبتعد وسائل الإعلام عن الصحافة المدمجة والأجندات الخفية للدول والشركات الكبرى لتقدم عرضاً متوازناً للأحداث؟ فهل يؤدي ظهور وسائل الإعلام الجديدة إلى منح المواطنين العالميين الفرصة للمراقبة والتحليل واتخاذ قراراتهم؟ هل سيوفر ظهور الصحفي المواطن طاقة جديدة يمكنها توجيه صناعة الاتصالات نحو الابتكار؟ هذه كلها أسئلة لم يُجب عليها بعد، وتتضمن الأمل في أن تصبح هذه التطلعات لَبِنات بناء أسس التفاهم.
بالطبع لا نحتاج إلى الاعتماد على حسن نية وسائل الإعلام، بل يمكننا تجهيز أنفسنا بالأدوات اللازمة للتعامل مع وابل المعلومات المتحيزة التي نتلقاها في كل ثانية، ففي تقرير منظمة تحالف الحضارات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، كان أحد اهتماماتي الخاصة الدعوة إلى محو الأمية الإعلامية بالقدرة النقدية على قراءة رموز وعلامات وسائل الإعلام، في كل مكان حولنا، من خلال جميع أشكال وسائل الإعلام، بما في ذلك الترفيه الشعبي والإعلانات وألعاب الفيديو ومواقع الإنترنت. إننا نتلقى صوراً مهينة للآخرين. نحن بحاجة إلى الأدوات اللازمة لكشف النوايا الحقيقية لهذه الاستفزازات وطرق إعادة بناء رؤية بديلة توازن بين حرية التعبير والمسؤولية. إذا زودنا أنفسنا بهذه الأدوات، سنكون في مأمن من التلاعب الساخر في مسألة العنف.

السادة والسيدات،
إن عقيدة صراع الحضارات هي عقيدة معيبة تُستخدم لتبرير أعمال العدوان السياسية الساخرة من كلا الجانبين. لقد حان وقت التحرر من هذا الوهم ورعب الخطاب الذي يحدد هويتنا ويكتب قصة جديدة. ويجب أن يكون هذا التحرر متبادلاً، وسوف يتطلب جهوداً حقيقية وإرادة سياسية من جميع الأطراف. لقد حان الوقت للانتقال من الوهم إلى التحالف.

وبالرغم من بناء الخطاب على الوهم، إلا أن نتائجه حقيقية للغاية.
إنها خطابات وروايات حقيقية ولكنها تدمرنا.  نحن المسلمين مثل كل الناس لا نريد أن نستمر في العيش في عنف وانعدام الأمن. نريد توفير بيئة يمكننا من خلالها أن نزدهر وننمو ويكون لنا الحق في اتخاذ القرارات بأنفسنا.
إن اختيار العمل من أجل السلام ليس خياراً سهلاً. إن اختيار الابتكار وتصميم واقع بديل ليس بالمهمة التي تؤخذ باستسهال. وهذا يعني أن نثق بأنفسنا وببعضنا بعضاً. ويتطلب الأمر منا أن نتعاون وأن نتبادل الأفكار وأن نضع مخاوفنا جانبًا ونستثمر في الإبداع لاستنباط الحلول. إن الطريق إلى التقدم يحتاج إلى رؤية أخلاقية مشتركة. في ظل الاحترام الحقيقي للاختلاف بين بعضنا بعضاً وليس بمجرد التسامح سنصل إلى مكان ستنسجم فيه أقوالنا بأفعالنا.
ومن سيقودنا إلى هذا المكان الأفضل؟ من المؤكد أنه لا يمكن السماح لهذه المهمة بأن تقع في أيدي السياسيين فقط. ستقع في أيدينا جميعًا وخاصة شبابنا. وفي نهاية المطاف، فإن البشر هم الذين يبنون واقعهم الخاص وهم الممثلين والمخرجين للمسار الذي يختارونه. وعلى حد تعبير رمز قومي إنجليزي: "الإنسان في بعض الأحيان هو سيد مصيره، والخطأ يا عزيزي بروتوس ليس في نجومنا ولكن في أنفسنا، لأننا أشخاص ضئيلو الشأن".
ولم يفت الأوان أبدًا لتحويل أنفسنا وتغيير العدو إلى صديق والشخص العادي إلى مبتكر غير عادي من أجل السلام وتحويل المرؤوس إلى زعيم.