الدوحة، قطر، 03 مارس 2006

الحضور الكرام.. 

أشكركم على دعوتي لافتتاح فعاليات مؤتمركم هذا حول المرأة العربية ماضيها وحاضرها: المشاركة والديمقراطية.

في الآونة الأخيرة، فكرت كثيرًا في السرديات، أعني السرديات الكبرى التي لها تأثير على العالم وعلى معرفتنا ومعتقداتنا وتصرفاتنا. وتتمركز هذه السرديات المختلفة والمتضاربة أحياناً في طليعة النقاش السياسي كما أنها كانت ضمن الاحتجاجات العنيفة التي عرفتها الشوارع في الأسابيع الأخيرة. نحن نعيش حقاً في وقت يصعب فيه التطرق مرة أخرى إلى السردية السائدة والعودة إلى مصادرها.

 ومع ذلك، بالنظر إلى عنوان مؤتمركم، وخاصة المصطلحات المتعلقة بالمرأة العربية والديمقراطية، لم أستطع مقاومة فك بعض الخيوط. فهناك سردية كبيرة في خلفية مناقشتنا الحالية وآمل أن تسمحوا لي ببضع دقائق بينما ألتقط الخيط وأفكك الخطاب الذي ستتمحور عليه مناقشتنا في الأيام القليلة القادمة.

الحضور الكرام،

يتصاعد تضارب السرديات اليوم بسبب حقيقة مفادها أن أغلب ثقافات العالم تخضع لضغوطات شديدة هدفها الامتثال لثقافات البلدان التي استعمرتها في الماضي ولا تزال تحكمها بشكل غير مباشر، إما اقتصاديًا أو عسكريًا أو كليهما. وسواء نظرنا إلى الأزمة الحالية باعتبارها صراعًا بين الشمال والجنوب أو مواجهة بين الإسلام والغرب أو حربًا ثقافية بين الحضارات الأصلية والمستعمرين، فإن الفكرة نفسها تتكرر عبر كل خطاب. فتسعى حينها إحدى السرديات إلى التفوق على الأخرى.

إن النقاش حول المرأة في العالم العربي هو ببساطة جانب واحد من نقاش أكبر تعمل من خلاله إحدى السرديات جاهدة للتفوّق على غيرها من السرديات وباتت المرأة، على وجه الخصوص، تشكل جزءاً من هذا الخطاب.

إنه ليس نقاشًا جديدًا، فقد قُدمت أبحاث مهمة عن الحركة النسوية الاستعمارية أو الحركة النسوية كما كانت تُستخدم في الثقافات الأخرى لخدمة الاستعمار، من قبل العلماء، الذين سيحضر بعضهم هذه الجلسات على مدى الأيام القليلة القادمة. ولم يكن هذا الأمر فريداً من نوعه في العالم العربي، لأن هذا السرد كان منقوشاً في مجموعة متنوعة من التصاميم، كل منها مصمم ليناسب الهدف المباشر للهيمنة ــ وعندما ارتبطت الحركة النسوية بالاستعمار في الهند والعالم الإسلامي وآسيا وإفريقيا وجنوب الصحراء، وفي العالم العربي على وجه الخصوص، كانت بالفعل متعلقة بتقليد استشراقي متشبع بالتعصب.

وكما لاحظت ليلى أحمد، فإن كتاب قاسم أمين المثير للجدل "تحرير المرأة" كان بمثابة بداية تقديم السرد الاستعماري حول المرأة والإسلام ضمن الخطاب العربي السائد. كما أن المعارضة التي ولّدها الكتاب كانت بمثابة بداية لظهور سرد مضاد نشأ كمقاومة للخطاب الاستعماري. وهذا الخطاب لا يزال قائما إلى حد كبير إلى يومنا هذا. فقد أصبحت رموز مختلفة وخاصة الحجاب، تمثل كرامة وصلاحية العادات الأصلية وأصبحت الحاجة إلى تأكيدها وسيلة للمقاومة. وقد شكلت الحاجة إلى استعادة التقاليد جزءاً بارزاً من الخطاب في المجتمعات العربية وخاصة على مدى السنوات العشرين الماضية أو نحو ذلك. وفي إطار هذه الحركة، أثير السؤال المحوري حول ماهية تقاليدنا؟

تتشابك الخيوط مرة أخرى ولكنها تظل متميزة. فماضي العالم العربي بشكل عام والنساء العربيات بشكل خاص، غني ومتنوع، إذ تختلف القضايا التي تشكل محور النقاش حول المرأة في الخليج عن تلك الخاصة بفلسطين والعراق كما تختلف أنماط الخطاب السائدة في مصر عن تلك السائدة في سوريا أو لبنان. ومن المؤسف أن الأبحاث التي تجريها الهيئات الدولية حول وضع المرأة لا تعكس في بعض الأحيان هذه الاختلافات وهذا التنوع الذي يميز اهتمامات المرأة في مختلف أنحاء المنطقة.

الحضور الكرام..

ردا على عنوان مؤتمركم هذا، أود أن أؤكد أن الماضي والحاضر بالنسبة للمرأة العربية لا يختلفان كثيراً عن الماضي والحاضر بالنسبة للمرأة في مختلف أنحاء العالم، ربما باستثناء حقيقة مفادها أننا نعيش في وقت تركز فيه عدسات الثقافات المهيمنة بقوة على المرأة العربية عندما تنظر إلى واقع الشرق أو بالأحرى على المرأة المسلمة. فكيف نفسر هذا الواقع؟

من بين الحقائق التي أشار إليها تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2002 هو أن المنطقة العربية تشهد أسرع تحسن في تعليم الإناث مقارنة بأي منطقة أخرى، حيث تزايدَ معدل الإلمام بالقراءة والكتابة بين الإناث ثلاثة أضعاف بعد عام 1970 كما ارتفع معدل الالتحاق بالتعليم الابتدائي والثانوي. 

لقد اعتقدت أنه من المهم إثارة مسألة كيفية صياغة خطابنا ولكنني أؤكد أيضاً أن هذا الوقت ليس مناسباً للإنكار في العالم العربي والإسلامي. فهناك مشاكل في مجتمعاتنا لها علاقة بالركود وعدم المساواة، كما هو الحال في جميع المجتمعات. إن التقرير الذي ذكرته للتو يوضح أن المنطقة العربية ضعيفة فيما يخص تمكين المرأة من البحث عن فرص المشاركة الاقتصادية والسياسية والاستفادة منها. ولا يكفي أن نؤكد أن الإسلام يحمي حقوق المرأة وأن نشيد بنساء الماضي العظيمات. بل يتعين علينا أن نكون مخلصين لتقاليدنا الإسلامية من خلال الإصرار على تطبيق المساواة التي يضمنها ديننا الحنيف وتوفير البيئة المناسبة لفتياتنا من أجل التقدم والنجاح.

ولا يخفى على أحد أن قمع الحريات وحقوق المرأة منع العديد من البلدان من استثمار طاقاتها الكامنة. ومن أجل تحقيق ذلك يتعين علينا أن نواجه أخطاءنا ونتعامل مع عجزنا. وأعتقد أن التعليم يشكل محوراً رئيساً في هذه العملية.

ظل التعليم في العالم العربي موضوعاً جدلياًّ لفترة معينة. فقد أكد العلماء أن النظام "التقليدي" للتعليم في العالم العربي والذي يركز على السلطة المطلقة لأصحاب النفوذ، يشجع على التعلم عن طريق الحفظ وبالتالي يسوّغ التقبّل الأعمى لنفوذ السلطة. باختصار، فإن نوع التعليم السائد في الشرق الأوسط يدعم الأنظمة الاستبدادية وعدم المساواة والعنصرية والطبقية والجندرية.

إذا أردنا تغيير هذا السرد، فيجب أن ننسج خيوطًا جديدة كالاقتباس من قصص تخص النقاش والأمل والحرية والتمكين. ففي قطر، نحاول القيام بذلك من خلال الاستثمار في التعليم ومن خلال إحياء تقاليدنا المنسية بالحوار والانفتاح.

أعتقد أن الأمة مسؤولة عن تصدير ثقافة الجودة لشعبها، رجالاً كانوا أو نساءً. ويجب أن تكون هذه الثقافة متجذرة بقوة في البنية الأساسية للبلاد وفي معتقدات وقيم ومؤسسات وسلوكيات مواطنينا. وعلاوة على ذلك، ندرك أنه يجب أن يكون الشخص منفتحًا على قصص الآخرين من أجل تعزيز السرد الخاص به؛ تمامًا كما يكمل الرجال والنساء بعضهم بعضا. كما تؤثر الثقافات المختلفة في الحضارات العالمية. وكما يجب على الرجال والنساء أن يقبلوا بعضهم بعضاً، وأن يحرصوا على رعاية أوجه التشابه بينهم كبشر ويقدروا اختلافاتهم، فيجب أن يفعل شعوب العالم الشيء نفسه عن طريق احترام حقوق الآخرين في الاختلاف وتقدير المعتقدات المشتركة.

 إن التعليم القوي والديناميكي يوفر أساساً للانفتاح والثقة والتسامح. وفي قطر، نأمل أن نعزز مثل هذه الثقة بالنفس لدى جميع مواطنينا ــ رجالاً ونساءً.

ولكن لا يكفي أن نتحدث بشكل مثالي عن التعليم ودور الرجال والنساء في المجتمع العالمي. ولا يمكننا أن نتحدث عن ثقافة الجودة دون أن نتحدث عن إصلاحات سياسية واجتماعية ضخمة في مختلف أنحاء العالم العربي، بل في العالم بأسره. ومن غير المجدي أن نكون أحراراً في المدارس بينما يقمع المجتمع هذه الحرية. بل إن هذا قد يؤدي إلى المزيد من عدم الاستقرار. فقد أظهرت دراسات حديثة على المستوى الدولي أن المنظمات المتطرفة والعنيفة تعج بالشباب المتعلمين المحرومين سياسياً والذين لُقنوا خلال تعليمهم أن لهم حق المشاركة السياسية، ولكن بيئتهم منعت ذلك.

وتشير الدراسات أيضاً إلى أن ارتفاع المستوى التعليمي للمرأة ومشاركتها السياسية يعني انخفاض احتمالات تعرضها للضغوط السياسية وعدم الاستقرار. وربما يرجع هذا إلى أن النساء المتعلمات والناشطات يساهمن في تنشئة الشباب بطرق تعزز مقاومتهم للتجنيد من قبل الإرهابيين، وأيضاً لأن هؤلاء النساء يعززن من قدرة منظمات المجتمع المدني على العمل كبدائل للنشاط السياسي.

الحضور الكرام،

لقد منحنا في قطر أملا كبيرا لمواطنينا وخاصة النساء وأنشأنا منظمات وطنية للبحوث ودعونا إلى تعزيز دراسة سياسات متعلقة بالأسرة. ونحن نعتقد أن الأسرة لا بد أن تكون مصدراً للرعاية وبالتالي فإن حقوق الأطفال لابد أن تحظى بالحماية. كما نؤمن بضرورة التصدي للأساليب الاستبدادية في اتخاذ القرار وضرورة أن تُسن التشريعات اللازمة للحماية من العنف الأسري،  أن تكون هناك علاقة وثيقة بين الأسرة والمدارس حتى نضمن توافق التغييرات التربوية في المدرسة والتغييرات في المواقف الأسرية.

ومن المؤكد أن مثل هذه التغييرات لا يمكن أن تنجح إلا إذا كانت تمثل تغييرات اجتماعية وسياسية واسعة النطاق تهدف إلى تمكين كل من الرجال والنساء.  ففي قطر، تشكل النساء أكثر من 70% من المسجلين في مؤسسات التعليم العالي، كما أن معدل الأمية بين الجنسين في انخفاض مستمر. ولكن هذا لا يكفي إذا لم ننجح في دمج المزيد من النساء في سوق العمل وتشجيعهن على المشاركة السياسية كشريكات مع الرجال بشكل تام.   

ولكنني أود أن أؤكد من جديد أن هدفنا لا يتلخص في التركيز على تمكين المرأة فحسب، بل وتمكين كافة أفراد المجتمع. وأعتقد أن القضايا المتعلقة بتنمية المرأة لا بد وأن يُنظَر إليها على نحو شامل في إطار الأسرة والمجتمع ككل. وأود أن أؤكد مرة أخرى أن الافتقار إلى الحرية والمشاركة والديمقراطية لا يشكل مشكلة تخص المرأة وحدها، كما أنها بالتأكيد لا تخص المرأة العربية وحدها.

الحضور الكرام،

 دعوني أنتقل الآن بشكل أكثر مباشرة إلى النقطة الثانية من مناقشتنا وهي الديمقراطية. لن أسأل ما هي الديمقراطية، أو حتى ديمقراطية من، ولكنني سأشير إلى حقيقة واحدة، وهي أن خطاب الديمقراطية يشكل خيطاً آخر من نفس نسيج الخطاب المتعلق بالمرأة في هذه المنطقة. يُشاد بمصطلح الديمقراطية باعتباره مفهومًا غريبًا عن الإسلام والعرب ويُقال إن الديمقراطية تتعارض جذريًا مع تقاليدنا، وإن المسلمين "يكرهون" حرية التعبير والديمقراطية ويُقال إن الديمقراطية معادية لحقوق المرأة. وفي دراسة حديثة أجرتها مؤسسة غالوب لأكثر من 10 آلاف مسلم في 10 دول حول العالم فنّدت هذه السرديات، فعندما سئل المسلمون عن أكثر ما يعجبون به في الغرب، كان جوابهم أنهم معجبون بالتكنولوجيا والحرية السياسية، حيث تدعم الأغلبية في كل دولة إسلامية شملها الاستطلاع الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع. وتدعم الأغلبية نفسها أيضًا حريات الدين والتعبير والتجمع. لم يكن هناك فرق كبير بين دعم الرجال والنساء للشريعة الإسلامية. كما يؤيد أغلب المشاركين في الاستطلاع حق المرأة في التصويت والقيادة والعمل خارج المنزل. ويرى أغلب المشاركين في كل دولة شملها الاستطلاع أن عمل المرأة مناسباً في أعلى المراتب الحكومية كمجلس الوزراء والمجلس الوطني. 

سيداتي وسادتي،

إننا نعيش في زمن السرديات المتضاربة، حيث تحاول ثقافة ما فرض مفاهيمها على ثقافة أخرى وتركز عدسة الكاميرا على النساء باعتبارهن موضوع هذه المناقشات. وهذا يلقي مسؤولية كبيرة على النساء لأنه يفترض أن النساء وحدهن قادرات على حل مثل هذه الصراعات المعقدة. ومن وجهة نظري، إننا نبالغ في تقدير الدور الذي يمكن أن تلعبه النساء باستقلالية. ونتيجة لهذا، قد تضطر النساء إلى اختيار جانب لا يكون في مصلحتهن. وفي النهاية، تصبح النساء موضوعًا لسرديات متضاربة، حيث يحاول كل خطاب التفوق على الآخر.

آمل أن تنصب مناقشاتكم على مدى الأيام القليلة القادمة على إصلاح بعض الامور السلبية في السرديات السائدة حول النساء العربيات والنساء المسلمات والإسلام والديمقراطية. فليس من السهل تتبع الخيوط إلى مصدرها وحل التشابك  ولكن في النهاية، إن إدراك تعقيد تصميم النسيج يجعله أكثر إلهاما وثراءً.