بيتسبرغ - بنسلفانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، 21 مايو 2006

 

الحضور الكرام،

يسعدني جدًا تواجدي في بيتسبرغ لتلقي شهادتي الفخرية ويسعدني بشكل خاص أن أخاطب هذا الجمع المتألق من الخريجين وعائلاتهم.   

للوهلة الأولى، قد لا يبدو أن هناك الكثير من القواسم المشتركة بين الدوحة وبيتسبرغ، وأعتقد أن الكثير منكم ربما لا يعرف الكثير عن بلدي - قطر - باستثناء تواجد حرم جامعي لجامعة كارنيجي ميلون بالدوحة. إلا أنه وحسب تجربتي الشخصية، تعلمت أن وراء كل اختلاف، ثمّة أوجه تشابه عميقة ومؤثرة. 

جميعنا نتشاطر قيماً مشتركة - نريد أن نعيش في عالم نكون فيه قريبين من أحبائنا، حيث يمكننا التعبير عن أنفسنا وممارسة معتقداتنا، حيث ننعم بالأمان في كسب قوت يومنا وحيث يمكننا إعالة أسرنا.

تسعى كل من مؤسسة قطر وجامعة كارنيجي ميلون إلى تحقيق التطلعات البسيطة للناس، وتحتفل مؤسسة قطر هذا العام بالذكرى السنوية العاشرة لتأسيسها، حيث تساهم الشراكات مع مؤسسات مثل كارنيجي ميلون في تحقيق رؤيتنا. ومعاً، نثق بقدرتنا على تغيير العالم مع إيماننا بثقافة الابتكار في سياق التفاني والحماس والثقة في تشكيل المستقبل. 

عندما أتأمل هذا الجمهور، أشعر بالحماس الملهم نفسه الذي أشعر به عند تأملي  لطلبتنا في قطر. وإنني لأطلب أن تأخذوا مسؤولية كونكم خريجي جامعة كارنيجي ميلون على محمل الجد - بأن تتجاوزوا الحدود وأن تتأملوا بشكل خاص السردية المهيمنة التي تشكّل الطريقة التي نرى ونفهم من خلالها بعضنا بعضاً. أشجعكم على تجاوز الحدود ثقافيًا كما تفعلون أكاديميًا وفكريًا  بدون خوف.  

أيها الحضور الكرام،

نعيش في زمنٍ يُقال لنا فيه أن هناك فجوةً ثقافيةً بين الغرب والإسلام. يُقال لنا إن الغرب والإسلام في حالة حرب، وإن أيديولوجيات الغرب لا تتوافق مع الإسلام وأن كل حضارةٍ تسعى لتدمير الأخرى. وبناءً على الجانب الذي تختاره، سيكون الجانب الآخر شريراً.

في هذه السردية، يُصوَّر كلٌّ من الإسلام والغرب ككيانين ثابتين ومتماسكين، متصارعين لا محالة. لكن هذا ليس صحيحًا بالتأكيد. ما هو "الغرب" وأين هو؟ التنوع داخل أمريكا وأوروبا هائل وكذلك الفرق بين أوروبا وأمريكا.

في الواقع، الغرب هو مجموعةٌ من المجتمعات التي تتصارعٍ أحياناً مع بعضها بعضاً.

وعلى غرار ذلك، تتبنى المجتمعات الإسلامية معتقداتٍ متنوعةٍ ومتطورة. فالمذهب السني وحده ينقسم إلى أربعة مذاهب فكرية. وداخل الجماعات السياسية الإسلامية المعاصرة، والتي غالبًا ما يُنظر إليها على أنها من لون واحد، توجد أيضًا اختلافاتٌ كبيرة، فبينما تشترك هذه الجماعات في مصطلحات معينة، تختلف أفعالها وأهدافها اختلافًا كبيرًا.

لذا أدعوكم للتفكير خارج حدود سردية الصدام واستبدالها بسردية تعاون. وبالتأكيد هناك أمثلة عديدة عن التعاون بين مجتمعاتنا. يكفي أن ننظر إلى مثال المدينة التعليمية في قطر، حيث وجدت جامعة كارنيجي ميلون موطنًا بعيدًا عن وطنها الأم، لنحصل على مجتمع من الثقافات والأديان والتخصصات الأكاديمية المتنوعة يوحّدها هدف مشترك يتمثل في تصور مستقبل أفضل. 

يمكننا أيضًا النظر إلى مواقف الناس، بدلاً من الاعتماد على سرديات السياسيين، فحسب السرد السائد: يكره المسلمون، وخاصة العرب منهم، أمريكا، لأنهم يحسدونها على ثروتها وديمقراطيتها وثقافتها. ومع ذلك، يظهر استطلاع الرأي لمؤسسة الزغبي الدولية، الذي أُجري في أكتوبر 2005، في ست دول عربية، أنه على الرغم من اختلافهم مع السياسات الخارجية الأمريكية، فإن العرب معجبون بقيم الولايات المتحدة. وحتى عندما سُئلوا عن المكان الذي يفضلون العيش فيه أو ينصحون أحد أقاربهم لمتابعة الدراسة فيه، اختار المشاركون دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة. لذا، فنحن لا نكرهكم.

فمن البديهي أن الفرضيات التي تنبني عليها سردية الصراع هي أزمة مُدبَّرة، وليست موقفًا يتشاركه عامة الناس في العالم. ولذا يقع التحدي على عاتق الأجيال الشابة، والمفكرين النقديين مثلكم، لتفكيك هذه السردية تمامًا قبل أن تصبح رؤية مستقبلية.

من المؤكد أننا، كمسلمين، لم نبذل جهدًا كافيًا لإظهار الروح الحقيقية لديننا القائم على الاحترام المتبادل والعدالة الاجتماعية. وأدعوكم للانضمام إلينا من خلال النظر عن كثب في بعض الافتراضات التي ترسخ الشرخ الثقافي، ومن أكثرها شيوعًا أن الإسلام والديمقراطية غير متوافقين.

سيداتي وسادتي،

دعوني أولًا أن أتطرق إلى الذريعة القائلة بأن الإسلام لا يتوافق مع الديمقراطية. يكفي أن ننظر بإيجاز إلى تاريخنا لنُثبت أن هذا غير صحيح كليّأً. لطالما لعب المجتمع المدني، وهو حجر الأساس لتجسيد صرح الديمقراطية، دورًا حيويًا في الثقافات الإسلامية. وقد اتسم المجتمع الإسلامي، منذ فترة مبكرة، بنظام من الضوابط والتوازنات يمنع احتكار السلطة بيد الدولة. على سبيل المثال، قُورنَ علماء المسلمين – من مفكرين وباحثين قانونيين – ببعض خبراء "وسائل الإعلام" في المجتمع المعاصر.

وكان القضاة أيضًا مستقلين عن السلطة السياسية. وكان الحاكم، على غرار المحكمة العليا، يُعيّن القاضي الأعلى، لكن لا يجوز له عزله. فإذا لم يلتزم الحاكم بالقانون، بإمكان القاضي الأعلى أن يقود ثورة ضده. وكانت أنظمة أخرى، مثل ديوان المظالم، بمثابة محكمة للمطالبات الصغيرة ومحكمة استئناف شعبي وآلية لضمان العدالة الاجتماعية.

باختصار، لا يمكننا إلقاء اللوم على الإسلام بخصوص حالة الحريات والديمقراطية في العالم العربي، بل يقع اللوم بالكامل على عاتق حكومات المنطقة، المدعومة غالبًا من قِبل قوى أجنبية، والتي لا تتوفق مصالحها مع مصلحة الشعب. فالشعب بحاجة إلى أن يحكم نفسه، ويمكن تحقيق ذلك بطرق مختلفة وفقًا لمعتقداته ورغباته. فالديمقراطية، في نهاية المطاف، ليست شكلًا واحدًا من أشكال الحكم، بل يمكن تحقيقها من خلال مجموعة متنوعة من الأنظمة السياسية التي ترسخها كأسلوب حياة. وكما قال الفارابي :"الديمقراطية هي بلوغ السعادة".

وأسلوب الحياة الذي تُشجع عليه الديمقراطية مرغوب فيه لدى معظم المسلمين، الذين، كغيرهم، يريدون العيش بسلام وأمن وتلبية احتياجاتهم. وقد أظهر استطلاع رأي شمل أكثر من 10.000 مسلم في مختلف البلدان، أن المسلمين لا يرون أي تناقض بين الإسلام والديمقراطية.

ومن الجدير بالذكر أن غالبية المشاركين في هذا الاستطلاع يؤيدون حق المرأة في التصويت والعمل خارج المنزل. كما تعتقد الأغلبية في كل دولة شملها الاستطلاع أنه من المناسب للمرأة أن تشغل أعلى المناصب الحكومية في مجلس الوزراء والمجلس الوطني. وهذا يقودنا إلى سردية خاطئة أخرى - الإسلام يُعارض حقوق المرأة.

الحضور الكرام،

إن الجدل حول المرأة في الإسلام ليس سوى جانب واحد من القضية الأكبر التي نناقشها، والتي تتبنى سرديات خاطئة تُعزز تصورات الاختلاف والصراع.

إنها ليست سردية جديدة، ولا تقتصر على الدول الإسلامية فحسب. لقد تم تجاهل حقيقة ماضينا لتستبدل بسرد غريب عن القمع.

لقد كفل الإسلام للمرأة كامل حقوقها، وشغلت المرأة دورًا محوريًا في الحضارات الإسلامية. ومن المهم أن تستعيد المرأة المسلمة، وخاصةً نساء شبه الجزيرة العربية، تاريخها، وأن تستذكر شخصيات مثل عائشة، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، التي شكلت أفكارها وذكرياتها جزءًا أساسيًا من الدراسات الإسلامية، ونسيبة بنت كعب، المرأة المحاربة التي قاتلت في غزوة أحد والعشرات من سيدات الأعمال والقاضيات والعالمات والشاعرات اللائي ساهمن في بناء التاريخ الإسلامي.

ومن المهم أن نتذكر أن هؤلاء النساء كنّ يُستشرن في صياغة النظام التشريعي في المجتمعات الإسلامية وكان لهن تأثير كبير في صياغة  السياسات المتعلقة بالقضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعسكرية. وتمثل هذه السياسات جوهر حياتنا اليوم.

ومن المهم أيضاً إلقاء الضوء علىالواقع الحالي. فعلى سبيل المثال، يُظهر تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2002 أن المنطقة العربية تسجل أسرع تقدم فيما يخص تعليم الإناث مقارنةً بأي منطقة أخرى، إذ  تضاعف معدل محو الأمية بين الإناث ثلاثة أضعاف منذ عام 1970، وتضاعف معدل الالتحاق بالتعليم الابتدائي والثانوي. في قطر، على سبيل المثال، حيث تشكل النساء أكثر من 70% من عدد المسجلين في مؤسسات التعليم ما بعد الثانوي. 

ومع ذلك، يجب أن نحرص على عدم تجاهل ما تعانيه مجتمعاتنا من مشاكل ناتجة عن الركود وعدم المساواة، كما هو الحال في جميع المجتمعات. لكن القصور الملحوظ في حرية المرأة هو في الواقع قصور شامل في حرية جميع المواطنين في العالم العربي، وليس فقط في حرية المرأة. ومرة أخرى، دعونا لا نستخدم الإسلام كبش فداء. إن المذنب في هذا الوضع هي الأنظمة القمعية التي تتنكر لحقوق جميع المواطنين، والتقاليد البالية التي تضع قيودًا على تقدم المرأة كفرد كامل ومتساوٍ مع الرجل في المجتمع. وتتمثل مسؤوليتنا في المنطقة في إيجاد حلول مبتكرة لهذه المشاكل، حلول أصيلة نابعة من ثقافتنا وديننا غير مُستوردة، بل نابعة من داخل مجتمعاتنا ومن إرادة شعوبنا.

الحضور الكرام..

وهنا أصل اليوم إلى النقطة الأخيرة التي تتمثل في إرادة الشعب. لا يريد الناس في المجتمعات الإسلامية العيش في حالة من الحرب المستمرة وانعدام الأمن؛ بل يريدون نفس ما تريدونه، وخاصةً شبابنا. فمن أبرز المغالطات التي تظهر في خطاب العالم الإسلامي اليوم تصوير شبابنا على أنهم غارقون في ثقافة العنف والاستشهاد.  يهدف غسل الأدمغة منذ الطفولة المبكرة، إلى بث الكراهية والتدمير. فلننظر إلى الواقع.

يُشير الواقع إلى أن التطرف بين الشباب ليس ظاهرة إسلامية فريدة، ولكننا نخذل شبابنا بشدة. يُقدر معدل بطالة الشباب في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة 25.6% - وهي الأعلى في العالم. ومن الواضح أن قادتنا عجزوا عن ربط التوجه التعليمي بمتطلبات سوق العمل. وهذا بالطبع يُولد استياءً لدى شبابنا. ومع ذلك، ورغم هذه التحديات، فإن شبابنا مثل شبابكم. احتياجاتهم ورغباتهم لا تختلف عن احتياجاتكم ورغباتكم.

وما الذي يريده الشباب المسلم حقًا؟ تُظهر استطلاعات الرأي أنهم يريدون فرصًا تعليمية ورعاية صحية ومشاركة سياسية وتوزيعًا عادلًا للدخل والثروة.

أليس هذا بالضبط ما تريدونه أنتم أيضًا؟

ألا نريد جميعًا أن نكون قادرين على المنافسة في السوق العالمية؟

ألا نريد جميعًا أن نكون قادرين على المشاركة في القرارات التي تحكم حياتنا؟

ألا نريد جميعًا أن نغرس في أنفسنا ثقافة التمكين والأمن والعدالة الاجتماعية؟

أيها الخريجون،

رسالتي إليكم بسيطة: لا تقبلوا العالم الذي ترونه أمامكم، بل غيّروه. تقع على عاتقكم مسؤولية القيام بذلك، والخطوة الأولى هي تفكيك السرديات التي تدفعنا إلى حالة من الذعر والمواجهة.

يتوفر طلاب وموظفو جامعة كارنيجي ميلون بالحرم الجامعي في قطر على فرص التعرف على  المسلمين. إن التعارف هو خطوة أولى نحو تجاوز خطاب الكراهية الذي يدمرنا.

ثانيًا، فكّروا بأنفسكم بطريقة نقدية كما ينص عليه نهج كارنيجي العريق.

في التراث الإسلامي، لدينا مفهوم يُسمى الاجتهاد، وهو يعني استخدام تفكير جديد ومبتكر لصياغة حلول مبتكرة. أدعوكم جميعًا للمشاركة في اجتهاد عالمي، مسلمين وغير مسلمين على حد سواء، لصياغة سردية أمل جديدة.

وأقتبس كلمات أندرو كارنيجي الصريحة:

"من لا يستطيع فهو أحمق ومن لا يريد فهو متعصب ومن ليس لديه الجرأة هو عبد"

شكرًا لكم.